جفرا نيوز -
الاستـاذ الـدكتـور سـعيـد محمـد أبورمـان – جامعة البلقاء التطبيقية
تشهد الدبلوماسية الأردنية في المرحلة الراهنة حضورًا متجددًا يعكس حيوية الدولة وقدرتها على التفاعل مع مختلف التحديات، ويبرز في هذا السياق الدور المحوري الذي يقوده سمو الأمير الحسين بن عبدﷲ الثاني ولي العهد، والذي يأتي تجسيداً لنهج صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ورؤيته في تعزيز مكانة الأردن الدولية. يعد سمو ولي العهد أحد أبرز القيادات الفاعلة في العمل السياسي والدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي؛ حيث برزت بوضوح خلال شهر نيسان الحالي ملامح هذا الدور لسموه من خلال سلسلة من اللقاءات والمشاركات التي عكست رؤية أردنية متوازنة تقوم على الحوار، وتعزيز الشراكات، والدفع نحو حلول مستدامة للأزمات.
ففي مشاركته مندوبًا عن صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني، في اجتماع الاتحاد الأوروبي والشركاء الإقليميين في العاصمة القبرصية نيقوسيا، يؤكد الأردن مجدداً على دوره الحيوي في تعزيز الحوار بين أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، ركّز سمو ولي العهد على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، ليس فقط في بعدها السياسي، بل أيضًا في بعدها الاقتصادي؛ حيث أعرب سموه عن تطلع المملكة لاستضافة مؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي خلال هذا العام، وهو ما يعكس سعي الأردن إلى توظيف علاقاته الدولية لجذب الاستثمارات ودعم اقتصاده الوطني.
وعلى صعيد القضايا الإقليمية، جاءت مداخلات سموه لتؤكد على شمولية الحلول؛ إذ شدد على أن أي اتفاق للتهدئة يجب أن يكون شاملاً، يعالج جذور التوتر ويضمن أمن الدول العربية كافة، مع التركيز الخاص على أمن دول الخليج العربي الذي اعتبره سموه جزءاً لا يتجزأ من أمن الأردن واستقرار الإقليم. ولم تغب القضية الفلسطينية عن صدارة حديث سموه، حيث حذر المجتمع الدولي من تداعيات إغفال معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، منبهاً إلى أن سياسات ضم الأراضي والتضييق الاقتصادي على الفلسطينيين والاعتداء على المقدسات هي تهديدات تقضي على ما تبقى من آفاق السلام.
أما فيما يتعلق بلبنان وسوريا، فقد برز الدور الأردني الداعم لاستقرار الدول العربية واحترام سيادتها؛ إذ أكد سمو ولي العهد دعم الأردن الكامل لجهود الحكومة اللبنانية في الحفاظ على وحدة أراضيها، إلى جانب استمرار دعم الجيش اللبناني. وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن العلاقات الأردنية السورية تشهد تطورًا ملحوظًا، في ظل العمل المشترك لبناء مستقبل قائم على التعاون، داعيًا الشركاء الأوروبيين إلى دعم هذه الجهود.
ومن ناحية أخرى، جاء اللقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليؤكد أهمية البعد الثنائي في الدبلوماسية الأردنية؛ حيث تم التأكيد على متانة العلاقات بين البلدين، وضرورة البناء عليها، لا سيما في المجالات الاقتصادية. كما تناول اللقاء أبرز تطورات المنطقة، مع التشديد على أهمية تثبيت وقف إطلاق النار وتكثيف الجهود الدولية لوقف التصعيد، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والأوضاع في لبنان.
وعلى المستوى العربي، عكست لقاءات سمو ولي العهد مع كل من أمير دولة قطر وملك مملكة البحرين حرص الأردن على تعزيز العمل العربي المشترك. ففي لقائه في الدوحة مع سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، تم التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود للتوصل إلى تهدئة شاملة ومستدامة، إلى جانب تعزيز التنسيق والتشاور لمواجهة التحديات الإقليمية. كما شدد سمو ولي العهد على أن أمن دول الخليج العربي يشكل ركيزة أساسية لأمن المنطقة واستقرارها.
وفي السياق ذاته، جاء اللقاء مع جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في المنامة ليعزز هذا التوجه؛ إذ تم التأكيد على أهمية مواصلة التنسيق العربي، والعمل على استدامة وقف إطلاق النار واحتواء الصراعات عبر الحوار والدبلوماسية. كما أشاد سمو ولي العهد بدور مملكة البحرين خلال رئاستها لمجلس الأمن الدولي في خدمة القضايا العربية، وهو ما يعكس أهمية توظيف المحافل الدولية لدعم العمل العربي المشترك.
وخلاصة القول، فإن هذه الجهود الدبلوماسية التي يقودها سمو ولي العهد تعكس استراتيجية أردنية واضحة تقوم على عدة مرتكزات مترابطة؛ تتمثل في تعزيز الشراكات الدولية، ودعم الاستقرار الإقليمي عبر الحلول السياسية الشاملة، وتفعيل العمل العربي المشترك، فضلًا عن الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية في الخطاب الدولي. وعليه، فإن هذه الجهود المكثفة لا تعبّر عن مجرد تفاعل مع الأحداث، بل تجسد دوراً أردنياً مبادراً يسهم في صياغة التوازنات الإقليمية، استناداً إلى رؤية واقعية ومواقف ثابتة.