النسخة الكاملة

إنتشار ظاهرة إستغلال المظهر الديني

الأحد-2026-04-26 09:51 am
جفرا نيوز -
في ظل سعي المجتمعات الحديثة نحو ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، تبرز تحديات مركبة تتعلق بسوء استخدام المكانة الاجتماعية أو المظهر الديني لتحقيق مكاسب غير مشروعة. ومن أبرز هذه التحديات ما يمكن تسميته بظاهرة "تديين السلوك الوظيفي والاجتماعي شكليًا" دون التزام حقيقي بالقيم التي يعكسها هذا المظهر.
وقد عبّر الموروث الشعبي عن هذه الحالة بقولهم: "رخصت العبي وكثرت الشيوخ"، في إشارة إلى تراجع معيار الاستحقاق مقابل انتشار الألقاب الشكلية.
أولاً: الموظف المتلون وسوء استخدام الرمزية الدينية
تشير بعض الممارسات إلى وجود نمط من السلوك الوظيفي يقوم على إظهار التدين كوسيلة لكسب الثقة، لا كمنظومة قيم تحكم الأداء.
السمات العامة لهذه الظاهرة:
استخدام الخطاب الديني أو الأخلاقي لتعزيز صورة شخصية أمام المسؤولين.
ازدواجية في السلوك بين العلن والسر.
ربط إنجاز المعاملات بمنافع غير مشروعة.
التكييف القانوني:
تندرج هذه الأفعال – عند ثبوتها – ضمن:
جريمة الرشوة وفق أحكام قانون العقوبات.
استغلال الوظيفة العامة.
الإخلال بواجبات الوظيفة.
ويُلاحظ أن استخدام المظهر الديني في هذا السياق قد يشكل وسيلة تضليل تعقّد اكتشاف الفعل الجرمي.
ثانياً: ادعاء المكانة الاجتماعية ("المشيخة") دون سند
برزت في بعض السياقات الاجتماعية ممارسات يقوم فيها أفراد بادعاء أدوار قيادية أو إصلاحية (كالمشاركة في الجاهات والعطوات) دون امتلاك الكفاءة أو النزاهة المطلوبة.
مخاطر هذه الظاهرة:
التأثير على حقوق الأفراد عبر تسويات غير عادلة.
تكريس المحسوبية على حساب العدالة.
إضعاف الثقة بالمنظومة الاجتماعية التقليدية.
التكييف القانوني المحتمل:
الاحتيال عند استخدام صفات غير حقيقية لتحقيق منفعة.
انتحال الصفة في حال الادعاء بصفة رسمية أو علمية.
التدخل غير المشروع في النزاعات إذا ترتب عليه ضرر بحقوق الغير.
ثالثاً: المرجعية القرآنية في ضبط السلوك
جاءت النصوص القرآنية واضحة في رفض التناقض بين القول والعمل، والتحذير من استغلال الدين لتحقيق مصالح دنيوية:
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2]
وقال تعالى:
{إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} [التوبة: 34]
وقال تعالى:
{وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ... وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]
تشكل هذه الآيات إطارًا أخلاقيًا واضحًا يؤكد أن المعيار الحقيقي هو السلوك لا المظهر.
رابعاً: الأثر المجتمعي والإعلامي
إعلامياً، تمثل هذه الظواهر تحديًا مزدوجًا:
تشويه صورة القيم الدينية عبر ربطها بممارسات سلبية.
إضعاف الثقة بالمؤسسات نتيجة السلوكيات الفردية المنحرفة.
كما أن تداول هذه النماذج دون تفريق قد يؤدي إلى:
التعميم غير المنصف.
الإضرار بالفئات الصادقة التي تمثل القيم الحقيقية.
خامساً: المسؤولية المشتركة
على مستوى المؤسسات:
تعزيز الرقابة الداخلية.
تطبيق مبدأ المساءلة دون اعتبار للمظاهر.
على المستوى القانوني:
تفعيل النصوص المتعلقة بالرشوة والاحتيال.
حماية حقوق المتضررين من أي تسويات غير عادلة.
على المستوى المجتمعي:
عدم الانسياق خلف المظاهر الشكلية.
تقييم الأفراد بناءً على السلوك والإنجاز.
الخاتمة
إن بناء مجتمع قائم على العدالة يتطلب الفصل الواضح بين القيم الحقيقية والادعاءات الشكلية. فالمظهر، مهما كان، لا يشكل ضمانة للنزاهة، كما أن اللقب لا يمنح حصانة من المساءلة.
ويبقى المعيار الحاسم كما تقرره القاعدة الأخلاقية والشرعية:
"الدين ما وقر في القلب وصدّقه العمل"

بقلم الدكتور الصحفي محمد عبدالرحمن المعايطة 
دكتوراه صحافة وإعلام رقمي 
نقابة الصحفيين الأردنيين 
لجان فلسطين و مقاومة التطبيع
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير