جفرا نيوز -
عوني ذنيبات
في محافظات الجنوب، لم تعد القيم الإدارية للأراضي مسألة فنية محايدة كما يفترض، بل تحولت إلى مصدر إرباك حقيقي يطرح تساؤلات جدية حول دقة المنهجية وعدالة التطبيق. ما يظهر في بيانات وإعلانات دائرة الأراضي والمساحة، وما تعكسه الاعتراضات المتكررة، يشير بوضوح إلى أن الخلل لم يعد استثناءً، بل أصبح نمطًا يستحق الوقوف عنده.
في معان، تكرار إدراج أحواض متعددة للاعتراض، مثل سطح معان ومنزلة الأكراد، ليس تفصيلاً عابرًا. عندما تتكدس الاعتراضات في نطاق جغرافي واحد، فذلك لا يعني أن المالكين جميعهم يخطئون التقدير، بل يرجّح أن التقدير ذاته لم يُبنَ على قراءة دقيقة لواقع الأرض. الأمر ذاته يتكرر في الكرك، حيث شملت الاعتراضات قرى كاملة مثل الشهابية بكامل أحواضها، وهو مؤشر لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل منهجي في احتساب القيمة، لا مجرد أخطاء فردية هنا وهناك.
المشكلة تتعمق أكثر عند النظر داخل الحوض الواحد. من المفترض فنيًا أن تكون أراضي الحوض متقاربة في القيمة، لكن الواقع يشير إلى تفاوت ملحوظ بين قطع متجاورة، رغم تشابهها في الموقع والخدمات. هذا الخلل يعكس تجاهل عناصر أساسية في التقييم مثل الواجهة، ونوع التنظيم، وإمكانية الوصول، وهو ما يفتح الباب أمام تقديرات غير عادلة، سواء بالزيادة أو النقصان.
ولا يقف الأمر عند حدود التقدير النظري، بل يتعداه إلى التطبيق. فقد أظهرت تقارير إعلامية أن القيم التي يتم إقرارها لا تتطابق دائمًا مع تلك التي تُطبق فعليًا داخل النظام، ما يعني وجود فجوة إجرائية بين القرار والتنفيذ. هذه الفجوة، إن ثبتت، تمس جوهر الثقة بالمؤسسة، لأن المواطن لا يتعامل مع إعلان نظري، بل مع قيمة تُحتسب عليها رسوم وضرائب فعلية.
في الطفيلة، كما في الكرك ومعان، يبرز إشكال آخر يتمثل في التعميم. مناطق ذات طبيعة متباينة—بين أراضٍ زراعية، وأخرى على طرق نافذة، وثالثة ذات امتداد استثماري—تُعامل أحيانًا ضمن نطاق قيمي واحد أو متقارب، وكأنها تحمل الخصائص ذاتها. هذا التبسيط المخل يتجاهل الفروقات الدقيقة التي يفترض أن تكون أساس أي تقييم عادل.
ثم هناك عامل الزمن، وهو ربما الأخطر. القيم الإدارية لا تُحدّث بالوتيرة التي تتغير بها الأرض نفسها. طرق تُفتح، وخدمات تصل، وأنماط استعمال تتبدل، بينما تبقى القيمة ثابتة أو تتأخر في اللحاق بالواقع. النتيجة إما تقدير أقل من القيمة الحقيقية يهدر إيرادات الدولة، أو تقدير أعلى يثقل كاهل المواطن دون مبرر.
كل ذلك يقود إلى خلاصة يصعب تجاهلها: القيم الإدارية في محافظات الجنوب تعاني من خلل مركب، يجمع بين ضعف الدقة المكانية، وتأخر التحديث الزمني، واختلال التطبيق، وتعميم المنهجية. ومع أن باب الاعتراض متاح، إلا أن كثافة اللجوء إليه تحوله من أداة تصحيح إلى دليل على أن الخلل أعمق من أن يُعالج بطلبات فردية.
المطلوب اليوم ليس فقط إعادة تقدير هنا أو تعديل هناك، بل مراجعة شاملة لآلية التقييم نفسها، بحيث تُبنى على بيانات ميدانية حقيقية، وتُحدث بشكل دوري، وتُطبق بشفافية كاملة. لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لا يعني فقط ظلمًا في تقدير الأرض، بل مساسًا مباشرًا بعدالة النظام الضريبي وثقة المواطن بالمؤسسات.