النسخة الكاملة

ستبقى القدس بوصلتنا

الأربعاء-2026-04-15 10:16 am
جفرا نيوز -
المهندس عوني ذنيبات

في إحدى الجلسات الاجتماعية، ارتفعت الأصوات تندد وتُدين، وخرج من بين الحضور من يوزّع صكوك الوطنية والإنسانية، مستنكرًا على الناس أفراحهم ومناسباتهم، معتبرًا أن مجرد الاستمرار في الحياة هو نوعٌ من الخذلان لما يجري في غزة. لاقى حديثه تأييدًا واسعًا، فالتصفيق سهل، والانفعال لا يحتاج إلى دليل. لكن، وبعد أسابيع قليلة، كان المشهد مختلفًا تمامًا: ذات الصوت الذي طالب الناس بالحزن الجماعي، كان يقيم حفل زفاف فاخرًا، ووليمةً عامرة، غير آبهٍ بما كان يطالب به غيره.

هذه الحادثة ليست تفصيلًا عابرًا، بل نموذجٌ صارخ لما يمكن تسميته بـ"ازدواجية الخطاب"، حيث يُطلب من الآخرين ما لا يلتزم به صاحبه، وتُفرض معايير قاسية على المجتمع، بينما تُمنح الاستثناءات للنفس دون تردد.

وفي سياقٍ متصل، تبرز بين الحين والآخر أصوات من خارج الأردن، تُلقي باللوم جزافًا على الدولة والمجتمع، وتتهمهما بالتقصير أو حتى بالتخلي عن القضية الفلسطينية. وهي اتهامات، وإن بدت حادة، إلا أنها غالبًا ما تُطلق من فراغٍ في المعرفة، أو من فائض الانفعال غير المنضبط بالوقائع.

فمن الذي كان في قلب المواجهة تاريخيًا إن لم يكن الأردن؟ ومن الذي خاض الحروب وقدم التضحيات، واحتضن الإنسان الفلسطيني قبل القضية؟ ومن الذي ما تزال بوصلته، رسميًا وشعبيًا، تشير إلى القدس كقضية مركزية لا تقبل المساومة؟
الأردن لم يكن يومًا على هامش القضية، بل كان في صميمها، دمًا وتاريخًا وموقفًا. ومع ذلك، فإن التعبير عن هذا الانتماء لا يأتي بصوتٍ واحد، ولا بشكلٍ واحد. فهناك من يعبّر بالصراخ، وهناك من يعبّر بالصمت المسؤول، وهناك من يوازن بين واجباته الإنسانية وحياته اليومية دون أن يشعر بتناقض.

المشكلة ليست في أن يفرح الناس، ولا في أن يستمروا في حياتهم، بل في أن يتحول الحزن إلى أداةٍ لابتزاز الآخرين، أو وسيلةٍ لفرض وصايةٍ أخلاقية لا تستند إلى اتساقٍ حقيقي.

وما بين ضجيج الشعارات وصمت الفعل، يبقى المعيار الحقيقي هو: من يلتزم بما يقول، ومن يجعل من مواقفه سلوكًا لا مجرد كلمات.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير