النسخة الكاملة

المستجدات الدستورية في تعديلات الضمان الاجتماعي

الثلاثاء-2026-04-14 01:26 pm
جفرا نيوز -
أ. د. ليث كمال نصراوين

أعلنت لجنة العمل النيابية قبل أيام تأجيل النظر في مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدل، وذلك لكي تتمكن الحكومة من مراجعة التعديلات التي جرى تقديمها عليه من الناحية الاكتوارية، وقياس أثرها على استدامة النظام التأميني، ومدى توافقها مع الأهداف الرامية إلى الحفاظ على ديمومة مؤسسة الضمان الاجتماعي.

ويكشف هذا القرار عن إدراك نيابي وحكومي لطبيعة قانون الضمان الاجتماعي بوصفه من أكثر التشريعات تعقيدا. فهو لا ينظم علاقة آنية بين الفرد ومؤسسة وطنية، بل يؤسس لنظام تأميني طويل الأمد يقوم على توازنات دقيقة بين الإيرادات المتحققة والالتزامات المالية المستقبلية، ويستند إلى معطيات اكتوارية معقدة ومتشابكة تتعلق بأعمار المشتركين، ونسب الاشتراك المقررة عليهم، وآليات تنظيم سوق العمل. وهي عناصر لا تحتمل المعالجة العفوية أو المتعجلة، ولا تقبل التقدير السياسي المجرد، الأمر الذي يفسر التريث في إقراره وإخضاعه لدراسة معمقة تكفل استدامته.

وتثير هذه التطورات تساؤلا دستوريا مباشرا يتعلق بمصير مشروع القانون المعدل الذي أقرته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب. فمن الناحية الدستورية، لا يزال هذا المشروع قائما ضمن مساره التشريعي، ولم يخرج منه. فالحكومة لم تعلن صراحة سحبها لمشروع القانون، ولا يجوز فهم ذلك على نحو ضمني، حتى مع إعلانها إخضاعه لدراسة اكتوارية جديدة. فالسحب قرار حكومي صريح يوجه إلى مجلسي الأعيان أو النواب، ويتضمن طلب استرداد مشروع القانون في أي مرحلة كان عليها. وبناء على ذلك، فإن بقاء المشروع لدى اللجنة النيابية المختصة، مهما طالت مدة دراسته، لا يعد سحبا ضمنيا، لأن السحب إجراء صريح يتطلب إعلانا واضحا، وهو ما لم يحدث في الواقع العملي.

ولا يغير من هذه النتيجة أن الحكومة طلبت التريث في إقرار المشروع لإعادة دراسة التعديلات في ضوء التوصيات المقدمة من لجنة العمل النيابية، لأن هذا الطلب يؤكد أن المشروع لا يزال في طور التفاعل المؤسسي بين السلطتين الدستوريتين، وليس في حالة جمود تشريعي. فإذا أفضت هذه الدراسة إلى تصورات جديدة تتصل بآلية استحقاق الرواتب التقاعدية والمنافع التأمينية، فإن الحكومة تملك، وفقا للأصول الدستورية، سحب المشروع القائم والتقدم بمشروع معدل جديد.

وعند هذه النقطة تحديدا، تبرز مشكلة أوسع من مجرد مصير مشروع بعينه، وتتعلق بقدرة النظام الداخلي لمجلس النواب على استيعاب الحالات التي تفرزها الممارسة التشريعية. فاللجان النيابية تمثل المرحلة الفنية الأهم في ممارسة الوظيفة التشريعية، حيث يعاد فيها تشكيل المشروع وإعادة صياغته بما ينسجم مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

غير أن هذا الدور الحيوي لم يقابله تنظيم قانوني كاف، ولا سيما في ما يتعلق بغياب أطر زمنية واضحة لإنجاز أعمال اللجان، الأمر الذي قد يفضي إلى إبقاء مشاريع القوانين قيد الدراسة لفترات طويلة دون حسم. وقد شهدت الممارسة التشريعية الأردنية نماذج دالة على ذلك، من أبرزها قانون تنظيم المدن والقرى المؤقت لعام 1966، الذي ما يزال حبيس أدراج اللجان النيابية منذ سنوات، رغم طبيعته كقانون مؤقت يفترض عرضه على مجلس الأمة وإقراره خلال مدة زمنية معقولة.

ولا يقف القصور عند مسألة الزمن التشريعي، بل يمتد أيضا إلى غياب آلية مؤسسية واضحة تنظم التواصل بين اللجان النيابية والحكومة، بما يتيح إحالة مقترحات اللجان إلى مجلس الوزراء لدراستها وإبداء الرأي فيها قبل استكمال المسار التشريعي. ومن شأن اعتماد مثل هذه الآلية أن يختصر الوقت والجهد، وأن يهيئ لعرض مشروع القانون على مجلس النواب بعد تحقيق قدر مناسب من التوافق بين السلطتين.

وعليه، لا يمكن القول إن مشروع قانون الضمان الاجتماعي قد دخل حالة الجمود، بل إنه ما يزال في صلب التفاعل المؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهذا فارق جوهري، لأن تعثر بعض مشاريع القوانين يعود إلى توقفها عن المسار الفعلي بشكل متعمد أحيانا، بينما يرتبط الوضع القائم هنا بتعقيد المقترحات المطروحة وضرورة إخضاعها لتقييم فني دقيق.

ومع ذلك، فقد زاد من تعقيد المشهد اقتراب انتهاء الدورة العادية الحالية لمجلس الأمة، في ظل مؤشرات على عدم التوجه لعقد دورة استثنائية قريبة، مما عزز الانطباع بإرجاء المشروع لأجل غير مسمى. غير أن هذا البعد الزمني لا ينبغي تفسيره على أنه تراجع عن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي، بل يعكس الحاجة إلى معالجة المشروع ضمن أسس فنية ومالية رصينة تكفل حماية حقوق الأردنيين في التأمينات الاجتماعية بصورة عادلة ومستدامة.

وفي ضوء ذلك كله، تبرز الحاجة إلى مراجعة النظام الداخلي لمجلس النواب، بما يكفل تنظيم الحالات التشريعية التي يفرزها الواقع العملي، بدلا من تركها للاجتهاد أو الاستناد إلى المبادئ العامة ذات الصلة بالتشاركية بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فالإشكالية لا تكمن في طبيعة عمل اللجان النيابية، بل في غياب إطار زمني ينظم ممارستها، ويحدد على نحو دقيق الفرق بين التعطيل الناتج عن الإهمال، والتريث المبرر الذي تفرضه طبيعة التشريع، كما هو الحال في مشروع قانون الضمان الاجتماعي.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير