جفرا نيوز -
عوني الداوود
غريب أمر هذه الحرب الدائرة في الاقليم، وسرّ غرابتها أنها بدأت دون رؤية واضحة، والدليل أن الاهداف تتغيّر بحسب سير العمليات، وحتى الآن لا هدف حقيقيا منشودا لدى الإدارة الامريكية. فالبداية كانت «تغيير النظام»، ولم يتغير النظام، حتى مع اغتيال الصفّ الاول والثاني والثالث من القيادات، وفي مقدمة الجميع المرشد الأعلى.. الجميع رحلوا وبقي النظام.
قالوا: هدفنا البرنامج النووي، وتمت محاولة الاستيلاء على اليورانيوم المخصّب بعملية معقدة، تم تخريجها للاعلام على أنها لإنقاذ طيارين هبطا في الأراضي الإيرانية!.
- علينا أن نقتنع بأن المشهد صار أكثر وضوحا بعد أكثر من 40 يوما على هذه الحرب، وأقصد هنا المشهد المتعلق بـ» لماذا هذه الحرب»؟ والجواب دون حاجة لتفاصيل: لأن نتنياهو يريد ذلك؟ وبعد 40 يوما، وحين أدركت الإدارة الأمريكية أنها تورطت بصورة أو بأخرى كان الحديث عن «هدنة أسبوعين»، بعد أن تعلق الطرفان الامريكي والايراني على الشجرة، كان لا بد من أطراف تنزلهما الى أرض الواقع، فكانت الوساطات « الباكستانية والتركية والمصرية».. وغيرها.
المشكلة في عدم التوصل الى اتفاق في مفاوضات إسلام آباد ما يلي:
1 - أن الطرفين ذهبا للمفاوضات بنشوة المنتصر، وهذا لا يساعد على تقديم تنازلات حتى مع وجود رغبة أكيدة في إنهاء الحرب.
2 - لم يأت نائب الرئيس الامريكي جيه دي فانس، كي يفشل، بل للعودة بانتصار سياسي، ما دام العسكري لم يكتمل، وكذلك الوفد الايراني رفيع المستوى لم يأت للتنزه، لذلك أعتقد أن المفاوضات «المباشرة للمرّة الأولى» حققت تقدما مهما، لكن «طمع» كل طرف بتحقيق أكثر مما هو ممكن- وعلى طريقة توجيهات ترامب: أريد كل شيء ولن أقبل حتى بـ 95 %، لأن الإيرانيين لا يملكون أية قوة تفاوضية - كما قال الرئيس ترامب - هو ما جعل الطرفين «يصعدان أعلى الشجرة» مرّة أخرى.
3 - العودة الى الضغوط الأخرى ومنها «حصار الموانئ» الإيرانية، هو بالتأكيد لمزيد من «الخنق الاقتصادي»، وهو ورقة يرى فيها الرئيس ترامب أنها قد تضطر الإيرانيين لتقديم تنازلات، في حين ترى ايران أن المتضرر الاكبر من حصار موانئها هو العالم كله، وذلك للأسباب التالية:
أ)- ايران لديها بدائل، في مقدمتها حدود برية بطول 6000 كيلو متر مع عدة دول.
ب)- لديها 10 موانئ على الخليج العربي أهمها جزيرة خرج التي تصدّر منها نحو 90 % من صادراتها النفطية، ونحو 3 موانئ على بحر العرب منها ميناء تصدّر منه نحو 10% من صادراتها النفطية.
ج)- ايران لديها موانئ على بحر قزوين، يمكنها من الاستيراد والتصدير من وإلى روسيا، التي تصلها منها كل احتياجاتها من القمح.
د)- لديها نحو 30 منفذا بريا على طول حدودها البرية.
- كل ذلك لا يعني أن ايران لن تتأثر، ولكن يؤكد أن ايران لديها بدائل، بينما الحصار سيزيد معاناة دول العالم كله حين يتم إغلاق مضيق هرمز بالكامل، حيث لن تجرؤ على المرور به أية سفينة خصوصا مع استنكاف شركات التأمين عن تغطية الكلف وتحمل مخاطر عبور هذه السفن.
4 - الحرب اليوم تتحول الى حرب عنوانها «مضيق هرمز»، وهذا قد يؤدي الى تفاهمات - إن ترك الأمر بين الولايات المتحدة الامريكية وايران والاستماع الى المقترحات الباكستانية تحديدا - أما إن بقي القرار النهائي بمصير الحرب بيد نتنياهو، فعلى العالم أن يتهيأ لتصعيد خطير، بعض أدواته إغلاق باب المندب، والدخول في «معركة مضائق مائية»، وتوسيع رقعة الحرب في الاقليم، مع تدخلات اقليمية ودولية عنوانها الرئيس «حرب الدفاع عن المصالح «، وهذا يعني دور متقدم للاتحاد الاوروبي وللصين ولروسيا وغيرها.. ناهيك عن مزيد من الكلف الاقتصادية واللوجستية على دول الخليج والاقليم.
*باختصار: يبدو المشهد أقرب الى العناد أو «الجكر السياسي»، منه الى الحكمة والحنكة، وتغليب المصالح السياسية والاقتصادية.. وهنا خطورة المشهد الذي - إذا لم يتم العودة فيه الى حيث انتهت المرحلة الاولى من مفاوضات « إسلام آباد»، والبناء عليها، فإن العالم يهوي بتسارع شديد نحو قاع لا يعرف قراره لا قدّر الله.