جفرا نيوز -
رشاد ابو داود
على سبيل التراث أحتفظ في ركن من منزلي بأشياء قديمة. القديم ليس كله جيدًا وليس كله سيئًا. لا ذنب للقديم في السيئ، فالأوضاع هي التي فرضت عليه سلطتها وجعلته يتغدى سلطة مكوناتها من البندورة وفرمات البصل وقليل من الملح والزيت، ولا بأس بقطع قرن فلفل أخضر لمن يحب الحار. يفطر زعترًا ويغط خبزته في شاي مغلي مرتين، وإن توفر، مثلث جبنة البقرة الضاحكة. والعشاء، لا داعي له "نام خفيف أحسن"!
عندما نتقدم في العمر نشتاق لأكلات زمان وطبيخ أمهاتنا. نكون قد أنهينا "دورة" الدجاج بأصنافه، المشوي والمحشي والمسحب والشاورما. واللحوم بأنواعها، الستيك والمشاوي والمقالي والزرب والكفتة وتلك القطع الهبرة التي تزين سدر المنسف. دورة فرضتها الظروف في زمن الرفاهية وإعلانات المأكولات المحلية والأجنبية، والتي تقدم لنا بأسماء ليست عربية، وعندما تطلبها وتأكلها تكتشف أنها عربية ولا شيء فيها أجنبي سوى اسمها.
طبيخ أمهاتنا كان من الخضروات التي نزرعها، كوسا وبامية وملوخية وبتنجان، نعم بتنجان وليس باذنجان، وبطاطا وغيرها. لم يكن شرطًا وجود اللحمة في غير يوم الجمعة. البندورة سيدة كل الطبخات ولا يستقيم الطعم من دونها. كانت تعصر عصرًا قبل أن يعلبوها. وحتى تكفي الطبخة لأفراد العائلة، كانت قطع الخضار تسبح في الشوربة. لا رز وملعقة، تغميس بالخبز فقط. وإن لم تلتقط قطعة يكفي أن تنقع اللقمة في الشوربة وتلتهمها. المهم هو الخبز من قمح البلاد.
قيل لامرأة تريد أن تقلل من وزنها، لا تأكلي الخبز. فوجئت وقالت، بايش بدنا نغمس؟!
وكما قال عادل إمام في إحدى مسرحياته "أنا بحب أغمس وألغمط في الصحن" وعندما أحضروا له قطعة خبز أجنبي صغيرة في صحن قال، أنا عايز خبز آكله مش خبز أحلف عليه".
في أيام الحرب هذه نعود مجبرين إلى الماضي ببساطته وأصالته.
ننّفذ تعليمات الجهات المعنية المسؤولة عن الطاقة والغذاء والماء. فلا أحد يعرف إلى متى تستمر الحرب سوى رجل واحد أشعلها وتورط فيها بتحريض من آخر يحمل شهادة "مجرم حرب" من محكمة الجنايات الدولية، ولا يعرف كيف يطفئها.
يقال إن البوابير نفدت من الأسواق تحسبًا لنفاد اسطوانات الغاز، لكن ها هو رئيس مجلس مفوضي هيئة تنظيم قطاع الطاقة يؤكد أن اسطوانات الغاز متوفرة في البلاد وأن التزود يتم بشكل طبيعي دون نقصان وأن بواخر المشتقات النفطية تصلنا باستمرار ويتم تعزيز المخزون الاستراتيجي للطاقة تباعًا.
لكن، ولأن أزمة الطاقة عالمية فإن الحذر واجب. والأشياء التي أحتفظ بها على سبيل التراث أصبحت على سبيل الاحتياط. بابور كاز، ضو نمرة 4 مع فتيلته المغموسة بالكاز، فانوس قديم أزرق يعمل أيضًا على الكاز. وهذه كلها لا تحتاج إلى كمية كبيرة من الكاز لكي نطبخ عليها أو نغلي إبريق شاي أو قهوة أو نضيء البيت.