النسخة الكاملة

الحموري يكتب: تجار المواقف وسماسرة الولاء

الأربعاء-2026-03-25 04:57 pm
جفرا نيوز -
يحيى الحموري

في اللحظات المفصلية، لا تُقاس الأوطان بما يُقال على منابرها، بل بما يُخفى خلف الكلمات. هناك، حيث تنكشف الطبقات الحقيقية للخطاب، يتبيّن الفارق بين من يحمل الوطن عقيدةً، ومن يحمله وظيفةً مؤقتة قابلة للاستبدال.

ما نشهده ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل انكشافٌ صارخ لبنيةٍ كاملة من الخطاب المُعلّب، الذي صُنع في غرف المصالح، وتغذّى على حساب الوعي العام، حتى ظنّ أصحابه أن تكرار العبارات يمكن أن يصنع حقيقة، وأن الضجيج قادر على أن يحجب خواء المعنى. لكن الحقيقة أكثر عناداً من كل ذلك؛ إنها لا تُزوَّر طويلاً، ولا تُخدع بالشعارات.

ثمة فئة أتقنت فنّ التماهي مع اللحظة، لا انحيازاً للمبدأ، بل انحناءً لموازين القوى. فحيث تميل الكفّة، تميل معهم، وحيث تُفتح الأبواب، يدخلون بلا ذاكرة، وبلا كلفة أخلاقية. يبدّلون مواقعهم كما تُبدَّل الأثواب، ويعيدون إنتاج أنفسهم بذات الوجوه، وإن اختلفت الأقنعة. هؤلاء لا يُخطئون فقط في التقدير، بل يختصرون الوطن في معادلة منفعة، ويختزلون السيادة في حسابات ضيّقة، كأنها بندٌ في دفترٍ قابل للمساومة.

والمؤلم حقاً، ليس وجود هذه النماذج- فكل المجتمعات تعاني منها - بل تحوّلها إلى صوتٍ مرتفع، يتقدّم الصفوف، ويحتكر الحديث باسم الدولة، فيما تُقصى العقول الحقيقية إلى الهامش، أو تُحاصر بتصنيفات لا علاقة لها بالإعلام ولا بالمعرفة. هناك خللٌ بنيوي حين يُكافأ التكرار، ويُقصى الاجتهاد، وحين تُمنح المنصّات لمن يُجيد إعادة إنتاج الخطاب ذاته، بينما يُستبعد من يملك القدرة على التفكير الحر.

إن أخطر ما في هذا المشهد، ليس ضعف الرسالة فحسب، بل فقدان الثقة الذي يتسرّب بصمت إلى الوعي الجمعي. فالشعوب قد تصبر، لكنها لا تمنح ثقتها مجاناً، وإذا شعرت أن ما يُقدَّم لها لا يمثّلها، ولا يُشبهها، فإنها تبحث-بفطرتها-عن بدائل تُخاطب عقلها ووجدانها. وحين يحدث ذلك، لا يعود السؤال: لماذا تراجعت المنصّات الوطنية؟ بل: كيف فُقدت الصلة بينها وبين الناس؟

الوطن ليس منبراً يُدار بالعلاقات، ولا مشروعاً يُحمى بالمجاملات. إنه فكرة كبرى، لا تتسع إلا للصدق، ولا تحتمل ازدواجية المعايير. ومن يظن أن بإمكانه التلاعب بوعي الناس إلى ما لا نهاية، يخطئ في فهم أبسط قواعد التاريخ: كل خطابٍ منفصل عن ضمير مجتمعه، محكومٌ عليه بالتآكل، مهما امتلك من أدوات.

لقد آن الأوان لإعادة تعريف الأولويات: أن يُعاد الاعتبار للكفاءة لا للولاء الشكلي، وللجرأة الفكرية لا للترديد الآلي، وللصوت الذي يُضيف لا الذي يملأ الفراغ. فالأوطان لا تُبنى بمن يصفّقون، بل بمن يُفكّرون، ولا تُحمى بمن يرفعون الشعارات، بل بمن يملكون شجاعة الموقف.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة رغم كل التعقيد: الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل الأسماء، وأقسى في حكمه على من يسيء إليه. وحين تتكلم الأوطان بصدق، لا يبقى مكانٌ لكل هذا الضجيج، ولا لكل هذه الأقنعة.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير