النسخة الكاملة

حين يقلق الملك… ترتجف العواصف

الخميس-2026-03-19 03:37 pm
جفرا نيوز -
النائب الكابتن زهير محمد الخشمان

في لحظات التوتر الكبرى، لا تُقاس مواقف الدول بما تقوله… بل بما تجرؤ على فعله.
وحين تصبح سماء الخليج العربي مسرحاً مفتوحاً للصواريخ والطائرات المسيّرة، تتحول الحركة السياسية إلى موقف، ويغدو الحضور في قلب الحدث رسالة تتجاوز كل البيانات.

في هذا السياق، جاءت تحركات جلالة الملك عبد الله الثاني بين دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ومملكة البحرين، كفعلٍ سياسي محسوب في لحظةٍ حساسة من تاريخ الخليج، حيث تختلط التهديدات بالردع، وتُختبر فيه صلابة المواقف العربية على أرض الواقع لا في التصريحات.

هذه التحركات لم تكن انتقالاً عادياً بين عواصم، بل حضوراً أردنياً مباشراً في عمق المشهد الخليجي، في توقيتٍ يُعاد فيه رسم موازين القوة، وتُقاس فيه التحالفات بمدى قدرتها على الثبات تحت الضغط.

وهنا تحديداً، يظهر الفرق بين من يعلن التضامن مع الإمارات وقطر والبحرين… ومن يترجمه موقفاً عملياً على الأرض.

"لا يخاف… لكنه يقلق.”
جملة ليست توصيفاً، بل فلسفة حكم. فالخوف انكفاء، أما القلق فهو يقظة دولة، واستنفار عقل، واستعداد دائم لأسوأ الاحتمالات قبل أن تقع. القلق هنا ليس شعوراً… بل مسؤولية بحجم وطن محاط بالاحتمالات.

في ذروة الاشتعال، حين كانت السماء مزدحمة بالرسائل الخشنة، اختار أن يتحرك لا أن يترقب.

من أبوظبي إلى الدوحة إلى المنامة… وكأنها رحلة في عمق العاصفة لا حولها، انتقال بين مراكز ثقل تُصاغ فيها المواقف وتُمنع فيها الانفجارات من أن تتحول إلى قدر.
هناك، كل كلمة تُقال وكأنها تُكتب على حافة سكين.

كل موقف قد يفتح باباً… أو يغلق إقليماً بأكمله.
وهو يسير بين هذه اللحظات كما يسير من يعرف أن الخطأ هنا لا يُصحّح… بل يُدفع ثمنه.

لأن الحقيقة التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ… أن الشرق الأوسط يتشكل من جديد.

والأردن، بوعي قيادته، لا يقبل أن يُكتب عنه… بل يكتب موقعه بنفسه.

وفي الداخل…
تبدو الصورة وكأنها هدوء، لكنها في حقيقتها انضباط عميق.
شارع لا ينهار… لأنه يعرف أن خلفه دولة.
جيش لا ينتظر الخطر… بل يقرأه قبل أن يولد.
أجهزة أمنية لا تُرى… لكنها تمسك بالخيوط كلها.
وسلاح جو… لا يحرس السماء فقط، بل يحرس معنى السيادة.

هذا ليس مشهداً عابراً… هذه بنية دولة تُختبر، فتثبت.
اختُبرنا في كورونا، حين ارتبكت سلاسل الإمداد العالمية، وتكدّست الدول على أبواب الغذاء قبل الدواء، وبقيت أسواقنا مستقرة لأن هناك بنية دولة.
واختُبرنا مع حرب روسيا وأوكرانيا، حين اهتزت أسواق القمح عالمياً، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، بينما كان الأردن قد سبق العاصفة بمخزون استراتيجي وخيارات توريد متعددة، فلم نكن في موقع البحث… بل في موقع الجاهزية.
واختُبرنا في لحظات إقليمية شديدة الحساسية، حيث الضغط السياسي والاقتصادي يتقاطع مع الأمني، ومع ذلك لم يهتز الداخل، ولم تُمسّ أساسيات الحياة اليومية للمواطن.
هنا تتجلى الحقيقة التي يجب أن تُقال بثقة:
الأمن الغذائي في الأردن ليس ردّة فعل… بل سياسة دولة.

أما في رأس القائد… فالحكاية أثقل من أن تُروى.
جغرافيا تتبدل، اقتصاد يُقاوم، إقليم يتشقق،
ودولة يجب أن تبقى واقفة… لا لأن الظروف تسمح، بل لأن السقوط ليس خياراً.

هنا يصبح القلق فضيلة.
هنا يصبح الترقب عملاً.
هنا تتحول القيادة من موقع… إلى قدر.

ولهذا…
لا وقت لدينا لصراعات صغيرة،
ولا مساحة لترف الخلاف،
ولا عذر لرفع الصوت على الدولة في لحظة تحتاج فيها إلى تماسك لا إلى جدل.

نحن في لحظة لا تُدار بالنيات… بل بالقرارات.

والأردن…
ليس دولة تعبر العواصف صدفة،
بل دولة تعرف كيف تُمسك بها… قبل أن تعبرها.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير