النسخة الكاملة

حين تتحول الدبلوماسية إلى إنسانية تُمارس

الأربعاء-2026-03-18 10:49 pm
جفرا نيوز -


الكاتبة البحرينية زهراء طاهر
في وقت تتسارع فيه وتيرة الأخبار، وتتصدر فيه الانتقادات المشهد العام، غالبًا ما تضيع القصص الإيجابية بين الزحام، رغم أنها الأجدر بأن تُروى، لأنها تمثل الصورة التي ينبغي أن تكون، لا الاستثناء الذي يُستغرب.

في نهاية الأسبوع الماضي، وجدت نفسي أمام تجربة إنسانية ومهنية تستحق التوقف عندها، حين رافقت إحدى صديقاتي لمساعدتها في إنهاء موضوع يخص والدها، الذي يحمل جنسية إحدى الدول العربية الشقيقة، وكان عالقًا في مملكة البحرين بسبب إغلاق المطار. لم تكن المهمة سهلة، إذ تطلب الأمر زيارة عدد من السفارات، والتعامل مع إجراءات مختلفة، في ظل ظروف استثنائية تمر بها المنطقة.

هذه الزيارات لم تكن مجرد تنقل بين جهات رسمية، بل كانت فرصة حقيقية للاطلاع عن قرب على كيفية تعامل السفارات وأقسامها القنصلية مع مواطنيها في أوقات الأزمات—وهو الاختبار الحقيقي لأي مؤسسة، حيث تظهر الفجوة بين الإجراءات الجامدة والروح الإنسانية.

من بين هذه التجارب، برزت سفارة المملكة الأردنية الهاشمية كنموذج يستحق الإشادة.

في القسم القنصلي، كان المشهد مزدحمًا بالمراجعين؛ وجوه تحمل القلق، وأخرى تبحث عن إجابات، وأصوات تتداخل بين الاستفسار والاستعجال. ومع ذلك، لم يكن الضغط هو العنصر الطاغي، بل طريقة التعامل معه. هدوء ملحوظ، صبر في الاستماع، واستعداد حقيقي لتقديم المساعدة—رغم أن الوقت كان ظهر يوم الخميس في شهر رمضان، وقبل دقائق من انتهاء الدوام الرسمي.

اللافت لم يكن فقط حسن التنظيم، بل الحرص الواضح على أن يشعر كل مراجع بأنه موضع اهتمام. لم يُختصر الجهد على الحالات الطارئة، ولم يُتعامل مع الأسئلة البسيطة بنفاد صبر، بل كان هناك حضور إنساني في كل تفاعل. حتى أولئك الذين كان يمكنهم الاكتفاء بالتواصل عبر الواتساب أو الهاتف، وجدوا من يستمع إليهم بنفس الاهتمام.

بدت القنصلية وكأنها خلية نحل تعمل بتناغم؛ فريق يتحرك بسرعة، لكن دون ارتباك، يسابق الوقت لا لإنهاء المعاملات فحسب، بل لتخفيف القلق، واحتواء المراجعين، وإيصال رسالة ضمنية مفادها: أنتم لستم وحدكم.

كما يعكس تخصيص قنوات تواصل مباشرة، مثل الواتساب، قدرة واضحة على التكيف مع الظروف الاستثنائية، وتقديم خدمات مرنة تتناسب مع طبيعة المرحلة—وهو ما يعكس فهمًا حقيقيًا لدور القنصليات في الأزمات، لا كمكاتب إجرائية فقط، بل كخط دعم أول لمواطنيها.

وفي خضم هذا الزخم، برزت مواقف بسيطة لكنها عميقة الدلالة. اعتذار أحد الموظفين عن التأخير—دون معرفة مسبقة بهوية من أمامه—لم يكن مجرد تصرف فردي، بل انعكاس لثقافة مؤسسية تُعلي من قيمة الاحترام، وتضع الإنسان في صلب الخدمة.

أما المشهد الأبرز، فكان دخول سعادة السفير رامي صالح وريكات العدوان من مدخل المراجعين، متابعًا سير العمل، ومبادرًا بالسلام، ومطمئنًا على الحضور، ومتأكدًا من تلبية احتياجاتهم. لم يكن ذلك حضورًا بروتوكوليًا، بل ممارسة حقيقية لمعنى القيادة—حين يكون المسؤول قريبًا من التفاصيل، حاضرًا بين الناس، ومشاركًا في المسؤولية لا مراقبًا لها من بعيد.

هذه الصورة تختصر الكثير مما يجب أن تكون عليه القيادة في العمل الدبلوماسي: حضور، متابعة، تواضع، وإحساس عالٍ بالمسؤولية.

إن مثل هذه التجارب تعيد صياغة مفهوم الدبلوماسية، بعيدًا عن الصورة التقليدية المرتبطة فقط بالعلاقات الرسمية بين الدول، لتؤكد أن جوهرها الحقيقي يكمن في خدمة الإنسان، خصوصًا في أوقات الأزمات، حيث يكون الاحتياج مضاعفًا، والتوقعات أعلى.

ولعل ما شهدته يفسر بوضوح المكانة التي يحظى بها السفير العدوان، ولماذا يُلقّب بعميد السلك الدبلوماسي في مملكة البحرين. فالألقاب قد تُمنح بحكم الأقدمية، لكن الاحترام الحقيقي يُكتسب بالمواقف، ويُبنى عبر التفاعل اليومي مع الناس.
في النهاية، ما رأيته لم يكن مجرد أداء وظيفي، بل تجربة إنسانية حقيقية تركت أثرًا في نفسي.

وهنا شعرت أن من واجبي نقل هذه الصورة كما هي… لأن النماذج الإيجابية تستحق أن تُروى
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير