النسخة الكاملة

"الذكاء الاصطناعي".. حصان طروادة هذا الزمان

الأحد-2026-03-15 10:34 am
جفرا نيوز -
لما جمال العبسه

لم تكن تقنيات الذكاء الاصطناعي (A I) يوماً مجرد ثورة تقنية تهدف لتبسيط حياة البشر، بل جاءت كأداة لإعادة صياغة مفهوم القوة والهيمنة في القرن الحادي والعشرين، حيث نجحت القوى التكنولوجية الكبرى في وادي السيليكون (Silicon Valley) عبر عملية "هندسة الإجماع" (Engineering of Consent) في خلق هالة من "المقدس الرقمي" الذي لا يقبل الجدل، مصورةً هذه التقنية حتمية تاريخية؛ فإما أن تركب الشعوب قطار العصر أو يسحقها التخلف، بينما تخفي في طياتها أدوات بالستية وافتراضية تُستخدم في أعنف صور الحروب والاغتيالات المعاصرة.

الاندفاع العالمي نحو تعظيم منافع الآلة والذي تروّج له كبرى الشركات الغربية، خلق حالة من التنويم المغناطيسي الجماعي، دفعت الحكومات في الدول النامية للهرولة نحو تبني هذه الأدوات، متناسيةً أن البيانات التي تضخها شعوبها في عروق هذه الخوارزميات ليست سوى الوقود الذي تُبنى عليه بنوك الأهداف العسكرية والاستخباراتية لغيرها، وتحت خديعة الحياد التقني (Technical Neutrality)، تم إقناع المستخدم بأن أدوات المحادثة والذكاء الاصطناعي ليست سوى مساعد لرفع الإنتاجية، فيما هي مجسات استخباراتية عالمية تجمع أنماط التفكير والتوجهات السياسية وتعيد تدويرها خلف الستار كأدوات للسيطرة والتوجيه.

هذا الانبهار بالنتائج نجح في تعمية الأبصار عن الثمن السيادي الفادح؛ حيث باتت الشعوب رهينة لخوادم (Servers) تملكها قوى خارجية، فيما يمكن تسميته بـ "التبعية بنقرة زر"، وقد استُخدمت الفجوة الرقمية كفزّاعة لإقناع الحكومات بأن التحول الرقمي الشامل المعتمد على الحوسبة السحابية (Computing Cloud )الغربية هو السبيل الوحيد للنمو، ما يعني فعلياً وضع العقل المدبر للدولة خارج حدودها الجغرافية، وتحويل بيانات الشعوب إلى "نفط جديد منهوب" يُعالج في الخارج ليعود إلينا كأدوات للتلاعب بالرأي العام.

وراء هذا الستار التقني اللامع، تكمن حقيقة مرعبة وهي"أن من يملك الخوارزمية يملك القرار؛ فالبيانات اليوم هي الرهينة الكبرى التي تُستخدم في الاغتيالات المعنوية والمادية، ولم يعد الأمر مجرد سيناريوهات نظرية، بل تحولت مناطق الصراع إلى مختبرات مفتوحة؛ كما حدث في الحرب الصهيوامريكية المتوحشة على قطاع غزة، حيث كشفت التقارير عن أنظمة مثل "لافندر" (Lavender) و"هابسوراه" (Gospel)، وهي خوارزميات صممت لإنتاج "بنك أهداف" بشري بمعدلات تفوق قدرة العقل البشري، لتُسفك الدماء بناءً على توصية برمجية صماء تفتقر لأدنى معايير الإنسانية.

في خضم هذا الهوس، يبرز التساؤل الجوهري حول كينونة الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض لعمارتها؛ فمهما بلغت قدرة المعالجات على المحاكاة، تظل تفتقر إلى البصيرة الأخلاقية وفهم التعقيد الفطري. فالآلة هي نتاج برمجة بشرية محدودة، ولن تسلب الإنسان دوره المركزي، لأن عمارة الأرض تقتضي الحكمة لا مجرد الحساب، والرحمة لا مجرد الخوارزمية، وهذا ما دفع دولاً كبرى مثل الصين وروسيا إلى إدراك أن السيادة الوطنية تبدأ من امتلاك "الخادم" قبل امتلاك القرار، فعمدت إلى توطين التكنولوجيا وبناء نماذجها اللغوية الخاصة لفك الارتباط بالمركزية الغربية.

لكن معركة التوطين ليست نهاية المطاف، إذ يبرز تحدي الاختراق السيبراني (Hacking)؛ فحتى الأنظمة الوطنية تظل هدفاً للقراصنة المدعومين من دول أو عصابات عابرة للقارات، وإن تجميع البيانات في كيانات مركزية يخلق ثغرة أمنية تجعل خصوصية الشعوب عرضة للبيع والشراء، ليتحول "الهكر" إلى الجندي غير المرئي في حروب الجيل الخامس، القادر على شل مفاصل الدول عبر استهداف خوارزمياتها المحلية.

إن الوعي الحقيقي يكمن في إدراك أن الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين؛ حدّ يبني الرفاهية، وحدّ يقطع شريان السيادة، وعمارة الأرض لا تتحقق بتسليم زمام الأمور لآلة صماء، بل بتوظيف الأدوات تحت رقابة بشرية صارمة، تضمن ألا تتحول براءة المعلومات إلى إحداثيات في قائمة استهداف.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير