النسخة الكاملة

الأردن في أسبوع: عبقرية المناورة وجمر الاستقرار

السبت-2026-03-14 03:30 pm
جفرا نيوز -
بقلم د. ايمن الخزاعلة

في لحظة تاريخية فارقة، حيث تعيد الجغرافيا السياسية تشكيل نفسها فوق صفيح إقليمي ساخن، لم يكن الأردن خلال الأسبوع الممتد من 8 إلى 14 آذار 2026 مجرد مراقب للأحداث، بل برز كمهندس للسكينة القومية، مقدماً نموذجاً للأمن الشامل الذي يتجاوز المفهوم العسكري الضيق ليصبح عقيدةً تجمع بين صلابة الردع، وحنكة الاحتواء، ومرونة الاستجابة المعيشية.

إن سيادة اليقظة وما وراء الزيارة العسكرية الملكية تتجلى حين يحلّ الملك في القيادة العامة للقوات المسلحة؛ ففي ذلك الوقت تتخطى الرسالة تفقد الجاهزية العملياتية لتصل إلى جوهر الاستقرار الاستراتيجي، حيث يكرس لقاء الملك برئيس هيئة الأركان المشتركة مفهوم "القوة العاقلة" للدولة التي لا تستعرض قوتها ارتجالاً، بل تبني منعتها بوعيٍ يدرك أن حماية الحدود تبدأ من تماسك العقيدة العسكرية والتحامها بالقرار السياسي، في إعلان صامت بأن الأردن قلعة عصية تملك أدوات الحسم التي تجعلها صمام أمانٍ في محيطٍ لا يقبل الضعف.

أما الدبلوماسية العابرة للمحاور ومخاطر الانفتاح الاستراتيجي، فقد تجسدت في قدرة السياسة الخارجية الأردنية على إدارة التناقضات الإقليمية ببراعة الجرّاح؛ فبينما كان التنسيق مع الأشقاء في الإمارات يرسخ وحدة الصف العربي، برزت زيارة وفد أردني للسفارة الإيرانية في عمان لتقديم واجب العزاء كخطوة أثارت جدلاً واسعاً وانتقادات محلية حادة، إلا أن تحليلها العميق يشير إلى رغبة الدولة في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لتجنب الصدام المباشر، وممارسة "دبلوماسية احتواء المخاطر" في إقليم يغلي، رغم ما تسببه هذه الخطوات من كلفة سياسية داخلياً أو في ميزان التحالفات التقليدية.

وفيما يخص تحديات الجوار وتأمين سلاسل التوريد، برزت أزمة الاعتداء على الشاحنات الأردنية داخل الحدود السورية كاختبار حقيقي للعلاقات الثنائية؛ ورغم الزيارات الرسمية الرفيعة لدمشق لتعزيز التكامل اللوجستي، كشف هذا الاعتداء عن فجوة أمنية ميدانية تتطلب حزماً يتجاوز لغة الدبلوماسية. إن تحليل هذا المشهد يضع الدولة أمام ضرورة الموازنة بين "رؤية الانفتاح الاقتصادي" مع سوريا وبين "واقع التهديد الأمني" الذي يواجهه قطاع النقل، مما يجعل حماية السائقين والمصدرين مصلحة وطنية عليا لا تقبل المساومة تحت أي غطاء سياسي.

وفي سياق العقد الاجتماعي والأمن المعيشي وأنسنة الاقتصاد، عملت حكومة جعفر حسان على جبهة الأمن الغذائي والاجعي برؤية استباقية، فاعتبرت دعم المؤسسات الاستهلاكية وتصفير الرديات الضريبية للمصدرين وتعزيز الرقمنة بمثابة مصدات صدمات اجتماعية، انطلاقاً من إدراك الدولة بأن الجبهة الداخلية هي الحصن الأول، وأن الاستثمار في استقرار الأسعار وتأمين السلع الأساسية يمثل العمق الحقيقي للأمن الوطني، حيث يتحول الاستقرار المعيشي إلى وقودٍ للانتماء والثقة العميقة بمؤسسات الدولة ومسارها في ظل التقلبات العالمية.

وبالنظر إلى الفضاء السيبراني والوعي المجتمعي ومواجهة حروب الجيل الخامس، لم تغفل الدولة عن التحديات غير التقليدية، حيث أظهر استنفار أمانة عمان ورصد آلاف المكالمات عبر مركز الاتصال الوطني صورة الدولة "المتصلة" بمواطنيها على مدار الساعة، بينما كشف التحذير من "التضليل الرقمي" وسموم الشائعات التي بلغت 45 شائعة في أيام معدودة، عن وعيٍ عميق بمخاطر حروب الوعي التي تستهدف النسيج الوطني، معتبرة أن حماية العقل الجمعي من مخاطر الزيف الرقمي يمثل حمايةً لرأس المال البشري، وهو المورد الأغلى في الرؤية الأردنية للمستقبل.

ختاماً، يبرز الأردن كبوصلة للحكمة في زمن التيه، مؤكداً من خلال أحداث هذا الأسبوع أنه يسير وفق استراتيجية "الخيوط المتوازية" التي لا يطغى فيها الأمن على رغيف الخبز، ولا تلغي الدبلوماسية الجاهزية العسكرية، إنه العقل السياسي الذي يوازن بين الثوابت والمتحولات، محولاً التحديات السياسية والاقتصادية إلى فرص لتعزيز الهيبة الوطنية، ومبرهناً للعالم أن القوة الحقيقية تكمن في نضج الرؤية، وعمق الانتماء، وصلابة القرار في وجه العواصف. وقد لا يكتمل هذا المشهد الا بدور محوري للحكومة في ضبط إيقاع التوازنات الداخلية، عبر تدخلات حازمة لاحتواء غلاء الأسعار وحماية سلاسل التوريد، بما يضمن صون الأمن المعيشي للمواطن كأولوية لا تقل قدسية عن صون الحدود.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير