جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف
رغم قوة الهجوم، تبقى إيران بلدًا كبيرًا؛ لذا سيتطلب الأمر أربعة أسابيع، أو أقل -ترامب.
لم يكن الهجوم على إيران مفاجئًا؛ فالحشد العسكري الأمريكي الهائل كان كفيلًا بالإنذار بعملية عسكرية وشيكة. غير أن ما لم يكن متوقَّعًا هو هذا الاتساع في نطاق الضربات، وأن يمتدّ الاستهداف إلى رأس النظام الإيراني نفسه.
دعا الرئيس الأمريكي ترامب صراحةً إلى إسقاط النظام، وحثّ الشعب الإيراني على أن يتولّى حكم نفسه، فيما أعلنت القيادة الصهيونية أن الضربات العسكرية واغتيال القيادات قد أوجدا مناخًا مهيّأً لتغيير سياسي داخل إيران. غير أن دروس التاريخ تؤكد أن الحروب التي تُرفع تحت شعار تغيير الأنظمة نادرًا ما تكون قصيرة الأمد، وغالبًا ما تنحدر إلى صراعات ممتدة لا تنتهي في وقت قريب.
جاء الرد الإيراني باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في دول الخليج، وإغلاق الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره قرابة 20% من نفط العالم، فضلًا عن استهداف ناقلات نفطية. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، في تطور ينذر بتهديد مباشر للاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
ترتكز العقيدة العسكرية الإيرانية على مبدأ الحرب غير المتكافئة؛ فبدلًا من خوض مواجهة تقليدية مع القوة الأمريكية، تعتمد استراتيجيات تُربك حسابات خصمها، وتُفقده وضوح الرؤية، وتجعل مسار المواجهة عصيًّا على التنبؤ، وتُعطّل خطوط الإمداد، وتُضاعف كلفة الحرب عليه.
ومن أخطر سيناريوهات التصعيد أن تنجح إيران في استهداف حاملة طائرات أمريكية؛ فهذه الحاملات تمثّل تجسيدًا صارخًا للهيمنة والقوة العسكرية الأمريكية. وقد طوّرت إيران صواريخ باليستية مضادّة للسفن صُمّمت خصيصًا لاستهداف القطع البحرية، إلى جانب امتلاكها أسرابًا من الطائرات المُسيّرة وغواصات يمكن توظيفها في مثل هذا الهجوم. وأيّ ضرر يُصيب حاملة طائرات، ناهيك عن إغراقها، سيشكّل حدثًا تاريخيًا غير مسبوق، قد يفتح الباب أمام اتساع خطير في رقعة الحرب.
وترى روسيا والصين في انخراط الولايات المتحدة في حرب طويلة مكسبًا استراتيجيًا، غير أن انضمامهما المباشر إلى القتال يبقى احتمالًا مستبعدًا ما لم تتعرّض مصالحهما الحيوية لتهديد مباشر.
ويطرح الواقع سؤالًا جوهريًا ومقلقًا: هل نقف على أعتاب حرب عالمية ثالثة؟ فالحرب العالمية، بطبيعتها، تقتضي انخراط عدة قوى كبرى، وهو ما لم يتحقق حتى لحظة كتابة هذه السطور. غير أن دخول الفصائل المتحالفة مع إيران كحزب الله، والحوثيين، والميليشيات المرتبطة بها في العراق وسوريا قد يفتح جبهات متزامنة في آن واحد. وإذا طال أمد الصراع وشاركت فيه دولٌ خليجية، وتزايد الدعم الروسي والصيني لإيران، فقد تتصاعد حدة التوتر بين القوى الكبرى. وغالبًا ما يبدأ التصعيد تدريجيًا؛ خطوةً تتبعها أخرى، وردًّا يستجلب ردًّا، حتى تغدو العودة إلى الوراء أكثر عسرًا، ويظل هذا السيناريو قائمًا كلما اتسعت رقعة الصراع.
قد تجد الولايات المتحدة نفسها غارقة في حرب طويلة الأمد؛ فإيران ليست أفغانستان ولا العراق. إنها دولة مترامية الأطراف، يتجاوز عدد سكانها تسعين مليون نسمة، ويطغى على مجتمعها حسّ قومي متجذّر وعداء راسخ للكيان والولايات المتحدة، إلى جانب خبرة متراكمة في مواجهة الضغوط والاعتداءات الخارجية. وفي مثل هذا السياق، غالبًا ما تُفضي الحرب إلى ترسيخ النزعة القومية الإيرانية وتوحيد الجبهة الداخلية في مواجهة العدو الخارجي. كما ينبغي التنبه إلى أن انهيار الدولة لا يقود بالضرورة إلى السلام، بل قد يفضي إلى فراغ يولّد الفوضى، وأن استهداف البرنامج النووي لا يعني حسم الطموح النووي، بل قد يدفع إيران إلى السعي بوتيرة أشد نحو تصنيع سلاح نووي.
غالبًا ما تبدأ الحروب بتصريحات مفعمة بالثقة والتفاؤل، لكن خيوطها لا تلبث أن تتشابك وتزداد تعقيدًا. وفي لحظاتها الأولى يظنّ القادة أنهم قادرون على حسمها سريعًا، غير أن اندلاعها يفتح مسارها على المجهول، فلا أحد يعلم متى تنتهي. ويعلّمنا التاريخ أن الحروب قد تنطلق بأهداف محدودة، لكنها سرعان ما تتمدّد وتتسع بفعل أخطاء في الحسابات أو تصاعد الردود المتبادلة. ومن ثمّ، قد تجد الولايات المتحدة نفسها منخرطة في حرب طويلة مع إيران، على غرار تجربتي العراق وأفغانستان، لكنها ستكون بلا ريب أشد تعقيدًا وأعظم خطرًا. ويحذّر كثير من المحللين من أن هذا الصراع قد ينقلب إلى خطأ جيوسياسي جسيم، يُقوّض استقرار المنطقة، ويستنزف الموارد، ويُربك الاقتصاد العالمي، ويُضعف النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية.