النسخة الكاملة

العملية العسكرية.. حرب بلا سردية

الثلاثاء-2026-03-03 10:20 am
جفرا نيوز -
لما جمال العبسه

كانت ثلاثة أيام كفيلة بتغيير واقع الشرق الأوسط برمته، إذ تحولت دوله وخاصة دول الخليج العربي إلى ساحة صراع مفتوح بعد أن دفعها قرار توجيه ضربة عسكرية أمريكية–إسرائيلية لإيران-وهو قرار يمكن وصفه بغير المدروس- إلى مواجهة مباشرة مع طهران طالما تجنبتها،  هذه الأيام وما سيتبعها تحمل ارتدادات طويلة الأمد، ليس فقط على المنطقة بل على العالم بأسره، إذ لا تملك واشنطن إطاراً زمنياً لإنهاء عمليتها العسكرية، ولا تبدو قادرة على مراجعة دعمها المطلق لحكومة اليمين الصهيوني المتطرف بقيادة بنيامين نتن ياهو، حتى بات من الواضح أن سياستها في المنطقة مقيدة بما يريده هذا التيار.

في أروقة السياسة المعتدلة في الولايات المتحدة، يتردد أن قرار الرئيس أصبح مرهوناً برغبات حكومة نتن ياهو، التي تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة على مقاسها، وتوظيف الحرب في خدمة أجندتها الداخلية، بل وحتى تغليفها بصبغة دينية تُفرض على المنطقة لتبرير مغامرة عسكرية خطيرة، هذه المسببات الواهية لم تقنع الداخل الأمريكي ولا المجتمع لدولي، لكنها كانت كافية لدفع المنطقة إلى أزمة غير مسبوقة، لقد فقدت واشنطن القدرة على فرض قواعد اللعبة، وتحولت من قوة قادرة على إدارة التوازنات إلى طرف مندمج في فوضى مفتوحة.

العملية العسكرية لم تحقق هدفاً استراتيجياً واضحاً، بل أدت إلى تصعيد غير مسبوق، حيث باتت القواعد الأمريكية في الخليج أهدافاً مباشرة، أما مقتل المرشد الأعلى الإيراني الذي اعتبرته حكومة نتن ياهو انجازا عظيما أضاف عنصراً جديداً من الفوضى، إذ فتح الباب أمام صراع داخلي قد يفرز قوى أكثر تشدداً، ما يعني أن العملية قد تنتج خصماً أكثر خطورة بدلاً من إضعاف النظام.

اقتصادياً، لم يتأخر أثر الأزمة في الظهور، مع بداية الأسبوع قفزت أسعار النفط بأكثر من سبعة في المئة، وتكدست مئات الناقلات في الخليج ومضيق هرمز، فيما ألغت شركات التأمين تغطية مخاطر الحروب، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا وقفز الذهب مئة دولار دفعة واحدة، هذه التطورات لا تعكس مجرد اضطراب عابر، بل صدمة طاقة شاملة تهدد بخلق موجة تضخمية عالمية، وتعيد إلى الأذهان أزمة السبعينيات ولكن في سياق أكثر ترابطاً مالياً وتجارياً،  اي ان هذه العملية العسكرية تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية في وقت قياسي، وهو ما يكشف هشاشة نظام الطاقة العالمي أمام المغامرات العسكرية غير المحسوبة.

في المحصلة، وضعت الولايات المتحدة الامريكية نفسها في ورطة استراتيجية مزدوجة، سياسياً فقدت القدرة على صياغة سردية مقنعة لحربها، وباتت تُرى كأداة بيد حكومة إسرائيلية متطرفة، اما اقتصادياً، فقد أطلقت شرارة أزمة عالمية ستنعكس على كل الأسواق والاقتصادات الكبرى.

هذه الورطة ليست مجرد خطأ تكتيكي، بل تحول بنيوي في صورة القوة الأمريكية، من قوة قادرة على فرض النظام، إلى قوة تُدخل النظام الدولي في فوضى غير محسوبة العواقب، ومع تجاهل العواقب والانصياع لضغوط خارجية بدا واضحا الدخول في حالة من فقدان السيطرة، وحين تفقد القوة العظمى استقلالية قرارها تتحول من صانع استقرار إلى مصدر اضطراب عالمي.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير