جفرا نيوز -
بقلم رئيس مجلس أمناء جامعة الشرق الأوسط الدكتور يعقوب ناصر الدين
في واقع إقليمي ودولي من هذا النوع المشوش وغير المستقر، والقابل للاشتعال في أي لحظة يصبح من الطبيعي فحص قدرات بلدنا على التعامل مع تلك المخاطر والتحديات، وبالطبع نحن ندرك التحولات التي تجري في المنطقة، والتفاعلات المعقدة الناجمة عن إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، وانهيار النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لقد كان الأردن وما يزال في عين كل الحروب والأزمات التي تعيشها المنطقة على مدى قرن من الزمان، ظل خلالها يحتفظ بوجوده ومكانته ودوره ضمن المعايير التي تحكم على الدور المحوري من عدة منطلقات وتعريفات – قابلة للنقاش وإعادة التعريف – سواء تعلق الأمر بالأبعاد الأمنية أو الجيوسياسية، أو التحالفات الإقليمية والدولية أو الواقع الاقتصادي والاجتماعي، ومن هذه الزاوية لا يمكن الاعتماد على الفهم السائد لمعنى الدور المحوري من دون الأخذ في الاعتبار طبيعة الدولة كمدخل لمعرفة موقعها في التوازنات الإقليمية والدولية على حد سواء !.
من واقع التجارب المريرة التي عاشتها هذه المنطقة، وفي غياب مستمر لحالة مستقرة من التضامن القومي حتى في حدوده الدنيا، فقد حافظ الأردن على تمسكه بانتمائه القومي كخيار استراتيجي ظل يمارسه جلالة الملك من خلال الاتصال والتنسيق مع العدد الأكبر من القادة العرب، ومع قادة العالم فيما يخص القضايا القومية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية بكل ما تمثله للأردن على وجه التحديد من علاقة وصفت على الدوام بأنها علاقة هدف ومصير مشترك.
مرة أخرى لا بد من التعمق في فهم طبيعة الدولة الأردنية القائمة على منظومة من القيم والمبادئ والمثل العليا التي حسمت موقفها دائما بالاعتماد عليها والالتزام بها، ومن أجل تقريب الصورة إلى مستوى الوضوح لمعاني الالتزام بقيم الدولة باعتبار عنصرا من عناصر طبيعتها فإن مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى وخياراتها ليس مجرد منهج محدد في السياسية الخارجية وإنما هو كذلك صفة من صفات الدولة القادرة على تحديد دورها ومكانتها وتأثيرها في محيطها الإقليمي وبالتالي محيطها الدولي!.
فالأردن لم يكن يوما جزءا من أي صراع أو شأن داخلي لغيره من الدول العربية إلا من زاوية المساهمة في تقريب وجهات النظر وإرسال المساعدات لضحايا النزاعات، وايواء اللاجئين إليه هربا من جحيم الفتن والصراعات، ومعظمها نجمت عن طبيعة الدول التي تحطمت فيها العلاقة بين الشعب وقادته، وعن سوء تقدير أدى إلى التنمر على دول شقيقة لها بلغ حد الاحتلال المباشر بذرائع مختلفة، والأسوأ من ذلك كله عقد تحالفات تناقض أبسط قواعد المصالح القومية والأمن القومي المشترك.
من الأهمية بمكان أن يدرك المحللون السياسيون والإعلاميون وغيرهم ممن يتحدثون بهذا الشأن أن واقع المنطقة ليس هو واقع الأردن حكما، وإن كان على خط التماس المباشر وغير المباشر مع كل أزماتها، فكل دول المنطقة بل كل دول العالم معنية بمراجعة دورها المحوري في مرحلة تشكيل نظام عالمي جديد، ونحن لا نعلم المدة التي يحتاجها العالم لكي يدفن نظامه البالي، ولا المدة التي يحتاجها لبناء نظام جديد، ولذلك فإن سعينا الدؤوب لإصلاح اقتصادنا في زمن الأزمة العالمية الكبرى، ومواصلتنا طريق الديمقراطية والإصلاح الشامل هو مشروع وطني ثابت الخطى لدولة تعتز بطبيعتها، وتثق بذاتها، وتعرف خياراتها، ولديها القدرة على تقدير الموقف واستشراف المستقبل بقدر كاف من الوضوح!.