النسخة الكاملة

الأردن في أسبوع : الضمان يبتلع الهدوء الروحاني و الجزرة مخالفات السير

الإثنين-2026-02-23 12:17 am
جفرا نيوز -

بقلم د. ايمن الخزاعلة

شهد الأسبوع الثالث من شباط 2026 في الأردن حراكاً حكومياً ودبلوماسياً مكثفاً، ففي حركة استباقية، دفعت الحكومة الأردنية بمسودة قانون الضمان الاجتماعي المعدل لعام 2026 إلى الواجهة كجرعة مرة في غلاف رمضاني. التعديلات التي تضمنت بنوداً حساسة تتعلق برفع سن التقاعد وزيادة سنوات الاشتراك أُطلقت في توقيت مدروس بعناية؛ فإعلان المقترح قبيل شهر رمضان يراهن على "الهدوء الروحاني" وانشغال الشارع بالطقوس الاجتماعية، لامتصاص صدمة برامج "الادخار القسري" ورفع كلف الاشتراكات المرفوضة شعبيا و نخبويا.
تتبع الحكومة هنا نهج "التخدير الموضعي" عبر استغلال المواسم الدينية لتمرير قوانين تمس العصب المعيشي. وبالرغم من أن استدامة صندوق الضمان ضرورة اكتوارية لا جدال فيها، إلا أن الحكومة مطالبة بالتوقف عن اعتبار جيب المواطن هو "المُسعف الوحيد" للعجز المالي . و بدلاً من الرهان على صمت الشارع، يجب تقديم كشف حساب شفاف حول أرباح صندوق استثمار أموال الضمان، وضمان أن رفع سن التقاعد سيرافقه خلق فرص عمل حقيقية للشباب، حتى لا يتحول القانون إلى "سدّ" يمنع دخول دماء جديدة لسوق العمل ويزيد من شبح البطالة.
في سياق متصل ، وفي البحث عن شعبية مفقودة برز سخاء مخالفات السير تزامنا مع إعلان تعديلات الضمان على شكل قرار حكومي لافت بمنح خصومات وصلت إلى 30% على مخالفات السير المرتكبة قبل 17 شباط، وإقرار نظام حوافز يكافئ السائق الملتزم بخصم 25% من رسوم الاقتناء. هذا القرار بدا كأنه محاولة لبث طاقة إيجابية تسبق "منغصات" الصيام وضغوط الأسعار المتوقعة، وتهدئة الغليان الذي قد تسببه قرارات الضمان.
يُقرأ هذا القرار كأداة "جباية ناعمة" تهدف لتحصيل السيولة المتعثرة من المواطنين لدعم الخزينة تحت غطاء "التسهيل عليهم . الحكومة هنا تمارس سياسة "العصا والجزرة" وتمنح اعطيات موسمية في ملفات ثانوية؛ لتمرير تعديلات هيكلية تمس حياة المواطن لعقود قادمة، وهو ما يعكس عجزاً في مأسسة الرضا الشعبي بعيداً عن الحلول التكتيكية؛ لذا كان على الحكومة بدلاً من هذه الهبات المؤقتة أن تركز على تطوير منظومة النقل العام وتخفيف العبء الضريبي الثابت، ليكون الالتزام بالقانون نابعاً من القناعة بالعدالة المرورية وليس استجابة لعروض "التحصيل المالي" التي تطلقها الخزينة كلما احتاجت للسيولة.
على المستوى السياسي والنشاط الملكي، سجلت المملكة حضوراً دولياً بارزاً ، حيث ترأس الملك جولة جديدة من "اجتماعات العقبة" في أكاديمية ساندهيرست. ركزت الاجتماعات على تحديات الأمن السيبراني والطائرات المسيّرة، مما يعكس رؤية الملك في تحديث العقيدة الدفاعية الأردنية لتواكب التهديدات التكنولوجية الحديثة، بعيداً عن الصراعات التقليدية. يستمر الملك في تثبيت مكانة الأردن كـ "مركز إقليمي للأمن والاستقرار"، وهو ما يمنح المملكة هامش مناورة واسع في الملفات السياسية المعقدة. هذا النشاط يوفر غطاءً سياسياً يحمي الدولة من تداعيات الانهيارات الإقليمية، تزامناً مع الاحتفاء بيوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين في الداخل لتعزيز الجبهة الداخلية. هذا النشاط يشير ايضا إلى أن الدولة الأردنية تنجح دائماً في تثبيت مكانتها كـ "مركز ثقل أمني" عالمي، لكن الفجوة تظل قائمة بين هذا التميز السياسي الخارجي وبين الأداء الإداري والبيروقراطي في الداخل؛ فالحكومة مطالبة اليوم بترجمة هذه المكانة الملكية الدولية إلى جلب استثمارات حقيقية تلمس حياة الناس، بدلاً من الاكتفاء بالدور "الأمني والدفاعي" كعنوان وحيد لاستقرار الدولة، مع ضرورة تفعيل دور السفارات والملحقيات الاقتصادية لتواكب وتيرة النشاط الملكي.
على صعيد آخر و في محاولة التوازن، برز الموقف الأردني حازماً برفض أن تكون أجواء المملكة أو أراضيها منطلقاً لأي عمل عسكري لضرب إيران، مع إعلان الاستعداد الفني لتدريب قوة دولية ستتولى مهام الاستقرار والأمن في غزة لاحقاً، وهو ما يضع الأردن في منطقة "التوازن الذهبي" فوق بركان الإقليم. الأردن يدرك أن أي صدام أمريكي-إيراني سيكلفه الكثير أمنياً واقتصادياً، لذا فهو يتبنى "الحياد الإيجابي". أما بخصوص غزة، فالاستعداد لتدريب القوة الدولية هو ذكاء سياسي يضمن للأردن مقعداً رئيسياً في صياغة مستقبل القطاع، ويحول دون تهميش دوره الجيوسياسي؛ لذا فعلى الحكومة أن تتحلى بالشجاعة الكافية لمكاشفة الرأي العام حول تفاصيل هذه الأدوار الاستراتيجية، وضمان أن المساهمة في استقرار غزة لا تعني الانخراط في حلول أمنية تنتقص من الثوابت الوطنية الفلسطينية، بل يجب أن يظل التمسك بالسيادة الجوية والبرية مبدأً ثابتاً لا يخضع للمقايضات السياسية تحت ضغط الظروف الاقتصادية.
ختاماً وتحت عنوان ولادة مؤسسية ، شهد الأسبوع إعلان انطلاق "الأكاديمية الحكومية للإدارة" كذراع لتحديث الجهاز الإداري وتدريب القيادات الشابة.لطالما عانى الأردن من "ترهل إداري" وواسطة في التعيينات القيادية .ورغم إيجابية الفكرة، يبقى الخوف من تحول هذه الأكاديمية إلى مجرد "هيكل بيروقراطي" جديد يضاف إلى الترهل القائم، أو منصة لشرعنة تعيينات محسوبة على مراكز قوى بعينها تحت غطاء "التدريب"؛ فما تحتاجه الإدارة العامة ليس المزيد من المباني والمناهج النظرية، بل إرادة سياسية حقيقية تكسر حاجز الواسطة وتجعل "الجدارة والنتائج الميدانية" هي المعيار الوحيد للترقي، وهو التحدي الذي ستحكم عليه التجربة خلال الأشهر القادمة بعيداً عن الأجواء الاحتفالية للإطلاق.
كان أسبوعاً لـ "تهيئة المسرح"؛ داخلياً عبر قرارات تجمع بين الضغط والترغيب وخارجياً عبر تثبيت بوصلة المملكة بعيداً عن نيران الإقليم المشتعلة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير