جفرا نيوز -
رامي الخياط
في الدول التي تمتلك فائضًا في الإنتاج، ووفرة في الفرص، ورفاهًا اقتصاديًا متينًا، قد يصبح الحديث عن تقليص أيام العمل نوعًا من "ترف السياسات العامة”. أمّا في بلد مثل الأردن، حيث الإنتاجية تحدٍّ مزمن، والبطالة ضيف ثقيل، والاقتصاد يبحث عن كل دينار نمو، فإن التفكير في تعطيل الدوائر الحكومية ثلاثة أيام أسبوعيًا لا يبدو تفكيرًا خارج الصندوق… بل أقرب إلى الخروج عن المنطق في هذا التوقيت !!
العمل ليس مجرد ساعات تُقاس على التقويم، بل منظومة قيمة وإنتاج وتأثير وحين نقلّص أيام العمل في قطاع عام يعاني أصلًا من الترهل وقلة الانتاجية، فنحن لا نمنح الاقتصاد راحة، بل نمنحه عبئًا إضافيًا ونولد ضغطاً على القطاع الخاص الذي ندعوه دائماً إلى التشاركية مع القطاع العام، فالموظف الذي يعمل في القطاع الخاص مثلاً سوف يتطلع للقطاع العام كمكان جاذب للعمل وهو الذي تعاني موازنة الدولة من مخصصاته أصلاً من رواتب للجهازين المدني والعسكري والأمن و مخصصات التقاعد المدني والعسكري فيه بحوالي 60% من إجمالي نفقاتنا الجارية، والمستثمر الذي ينتظر توقيعًا او مراجعة او استفساراً، والمواطن الذي يحتاج خدمة، وصاحب العمل الذي ينتظر معاملة… جميعهم سيدفعون ثمن هذا "الاسترخاء الإداري المقترح”.. واذا تم فتح الحديث على اننا في زمن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية، وان هذا المقترح يأتي في هذا السياق فهو وبدون اي تجريح او احراج او خوضٍ في التفاصيل .. لكنه كمن يضحك على نفسه !! وعلينا ان نعترف ان خدمات الحكومة الإلكترونية في بلدنا بمختلف اذرعها ما زالت في بداياتها ولم تغطي كل القطاعات !!
وعلينا ان نعرف أيضاٌ انه في حال زيادة عدد ساعات العمل اليومي لتعويض عطلة اليوم الثالث المقترح فإن إنتاجية الموظفين في هاتين الساعتين سوف تكونان في حدهما الادنى عندما يعمل الموظف الحكومي تسع او عشر ساعات متواصلة في اليوم !!
الأردن الغالي ايها السادة، لا يعاني من كثرة أيام العمل، بل من ضعف الإنتاجية، والمشكلة لا تُحل بإغلاق الأبواب مبكرًا، بل بفتح نوافذ الإصلاح واسعًا.
الأردن لا يحتاج إلى أيام أقل من العمل تحت ذريعة تجويد وزيادة إنتاجية الموظفين كما سمعنا فهذا سجعٌ فيه خروجٌ عن القافية، فما نحتاجه الان هو عمل أفضل وأذكى ومحسوب الاهداف مع المحاسبة على الإنجاز بأهداف رقمية وتشغيلية واضحة. ما نحتاجه هو عمل بإنتاجية اعلى لا بتقليل الايام وانما بزيادة كفاءة الانتاج، وقد نلجأ إلى العمل المرن في الساعات لكن لا نختصر الأسبوع إلى نصفه تحت مسمى تجويد وزيادة إنتاجية الموظفين !!
فالنهضة يا سادة لا تُبنى بالعطلات او بالقفز فوق المراحل لتطبيق نماذج محددة من نماذج العمل في دول محددة لا تشبهنا في شيء مثل بلجيكا مثلاً، سوى اننا نرغب بتطبيق نموذجها بعدد ايام العمل وهي بالمناسبة دول تعد على أصابع اليد الواحدة، بل ان النموذج الذي قد يكون الأوحد هو بلجيكا والتي أعطت "حق العمل" لأربعة أيام عبر ضغط ساعات العمل، وليس ثلاث أيام عطلة رسمية ثابتة !!!..
الأوطان ايها الاحبة تبنى بالعقول، والإدارة الرشيدة، والرؤية الاقتصادية الواقعية المبنية على حالنا لا حال غيرنا … او بالعامية التجاوب المستوردة !!
وبالمناسبة … إذا كان كل هذا الضجيج ورفع سقف عدد ايام العطل المقترحة إلى ثلاثة هو لهدف الوصول إلى تعطيل منتصف يوم الجمعة مع يومي السبت والأحد فاعلمونا حفظكم الله، فهذا أفضل من حالة الشد والجذب وهذا الصخب الذي خلفه هذا الخبر الذي لا نعلم هل هو قرار مؤجل .. ام دراسة ..ام بالون اختبار ..أم أضغاث أحلام ؟!!
وأخيراً، فقد نسيت ان أشير إلى فارق بسيط واحد بين الأردن وبلجيكا التي تطبق (خيار) نظام عطلة الأبام الثلاثة مع ضغط ساعات العمل كما ذكرت سابقاً …
وهو أنه وعلى الرغم أن عدد سكان بلجيكا والأردن سيان، إلا ان الناتج المحلي الإجمالي للأردن يقارب 55 مليار سنوياً، أما في بلجيكا فهو يتجاوز 700 مليار دولار !!!!
وكفى !!