النسخة الكاملة

النسخ بلا قص!

الإثنين-2026-02-09 11:51 am
جفرا نيوز -
بشار جرار

يعيب «الفسابكة» و»التواترة» وغيرهم من معشر «السوشال ميديا»، ذلك التواصل الاجتماعي الذي لا يحفظ حقوق الملكية الفكرية للناس، بمن فيهم ذوو القربى «سايبريّا»! ترجمها فاعل خير يوما، من إحدى وظائف «ويندوز» لصاحبه بيل غيتس الذي تضج الأخبار نهشا في «سمعته» المهنية والخاصة على نحو يثير الأسى والأسف، صحت مزاعم «إبستين» اللعين، أم كذبت.

تلك الوظيفة المرتبطة بآلية «النوافذ» وفكرتها هي القطع والطبع، أو القص واللصق، أو النزع والنسخ! ليس في ذلك مشكلة ما دامت الناسخ والمنسوخ من بنات أفكار مستخدم المنصة أو الورقة «العلمية»، وما دامت الإِشارة واضحة على رأس السطر وليس في ذيل المنشور، عبارة «منقول»، فكم من الدقائق الثمينة بددناها على منشور مطول، ظننا في صاحبه إبداعا مغمورا، وإذ هو في ذيله يباغتنا في الإشارة إلى أن كل ما سبق، ما كان إلا نسخا وفق آلية النسخ والطبع! مع تقدم العمر يقصر الزمن المتاح، فيصير كبار المتصفحين في العالم الافتراضي، أكثر ميلا إلى إلغاء تلك الحسابات التي يكثر فيها القص واللصق، ومعه تكثر مثالب كثيرة منها النزعة إلى الهمز واللمز والنميمة والغيبة، والعياذ بالله.

في جمع مع إخوة أدخلوا السرور إلى قلوب الأردنيين المغتربين في زيارة لدولة من دول المهجر، شكا أحدهم من تلك الظاهرة، وكانت شكواه محل إجماع من حضروا. لكني آثرت الترحم على من علمونا في بواكير المرحلة الابتدائية، وقد كانت مدرستي بإدارة راهبات الكلدان العراقيات في الكويت الشقيقة قبل نصف قرن ونيّف. هناك في مدارس «المنصورة» -هكذا كان اسمها حيث كانت جمعية الإصلاح الاجتماعي -»إخوان» فرع الكويت- كانت تمنع تسمية المدرسة باسم آخر يظهر الهوية الدينية للمؤسسة التربوية التعليمية! تذكرت تبرير الراهبة -الأم كاثرينا- للواجب المدرسي أو وظيفة البيت وهي النسخ المتكرر.  لم يكن الهدف هو تجميل خط التلميذ ولا تجويد قواعد الإملاء والتهجئة لديه. المراد كان «النقش في الصغر» حيث كانت الجمل القصيرة المطلوب نسخها مختارة بعناية من النواحي التربوية، وتلك أمثلة فيها غيض من فيض أو قبس من نور: «أحب أسرتي وبلادي وصفي ومدرستي» (انسخها صفحة كاملة). «النظافة من الإيمان» وكان عدد الصفحات المطلوب نسخها مقرون بمن تم ضبطه خلال واقعة إلقاء المهملات في غير مكانها -داخل الصف أو في باحة المدرسة- أو عدم التنظيف بعد تناول وجبة الطعام المدرسية في المقصف «الكنتين» أو «الميس» بمدّ الميم مع الياء المخففة. «هيّا نلعب» أو «هيا نزرع» أو «هيا نغني» نعم فقد كانت لدينا حصة موسيقى أسبوعية وأخرى للفنون (ليس الرسم وحده). وعبارات أخرى أو بالأحرى شعارات وأهداف حياة بسيطة، كان يتم زرعها في الوجدان والعقل، حتى اتضح أثرها في سائر نواحي حياتنا، الخاصة والعامة.

ليت جماعات التكرار والاجترار في عمليات القص والنسخ، يرجعون إلى الدفاتر المدرسية العتيقة، خاصة فيما يتعلق بما هو من حق الناس جميعا، أو من أدق خصوصياتهم. ثمة حاجة إلى أداء وظيفة النسخ بلا قص، فيبقى حبل الود ممدودا بين الناس لا «شعرة معاوية» وحدها.. تلك الوظيفة، أمانة تبدأ بالبيت، ولا تنتهي بالقطاعين العام والخاص، ما دمنا نؤمن بشعارات راسخة، ومنها ما نعيشه هذه الأيام الوطنية المباركة في الذكرى السابعة والعشرين لسيدنا الراحل العظيم الحسين كتب الله مقامه في عليين.

«الوفاء والبيعة» ليس سطرا يكتب أو بيان أو مقالة أو قصيدة، إنما هي عهد يكبر معنا ونكبر معه. هذه أيام فارقة التي تمر بها مملكتنا الحبيبة ومشرقنا العظيم، وأحوج الناس لإدراك أهمية ذلك الوفاء وتلك البيعة، من يلتقون من هم غير أردنيين في أي موقع كانوا، سواء خلال استقبالهم في الأردن المفدى لأي شخصية، أو أثناء زيارات الأردنيين لمحافل يذكر فيها اسم الأردن، أو إقاماتهم خارج البلاد. الهوية والمواطنة -في مشارق الأرض ومغاربها- في جوهرها ومظهرها، إنْ هي إلا تجسيد دائم لوفاء وبيعة..  

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير