النسخة الكاملة

هل باتت «المعادن النادرة» معركة الهيمنة العالمية؟

الأحد-2026-02-08 11:02 am
جفرا نيوز -
لما جمال العبسه

لم يعد موضوع المعادن النادرة مجرد قضية اقتصادية أو صناعية، بل تحوّل إلى ساحة صراع جيوسياسي تتعامل معها الإدارة الأمريكية بوصفها مدخلات استراتيجية تمس قطاعات الطاقة المتجددة، النقل الكهربائي، الصناعات الرقمية، والتطبيقات الدفاعية، حتى ان هذه الادارة ترغب في بسط هيمنتها على الدول المنتجة والمصنعة للمعادن النادرة من خلال الصراعات الجيوسياسية التي تثيرها هنا وهناك.

الأربعاء الماضي شهدت وزارة الخارجية الامريكية اجتماعا وزاريا دوليا ضمن 55 دولة لمناقشة مستقبل سلاسل إمداد المعادن النادرة، هذا الاجتماع بحسب بيانات الوزارة لم يكن مجرد نقاش تقني، بل خطوة متقدمة في مشروع السيطرة على موارد المستقبل، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة هندسة سلاسل القيمة العالمية بما يضمن لها موقع القيادة حتى في المجالات التي لا تملك فيها تفوقاً إنتاجياً.

بحسب ارقام وكالة الطاقة الدولية فإن الصين تتصدر دول العالم بفارق شاسع في احتياطيات وإنتاج المعادن الأرضية النادرة، تليها البرازيل والهند وأستراليا وروسيا، وتمتلك هذه الدول مجتمعة غالبية المخزون العالمي (نحو 90 مليون طن)، مما يجعلها فاعلاً رئيسياً في التكنولوجيا المتقدمة، الإلكترونيات، والدفاع، وتسيطر الصين 44% من الاحتياطي العالمي، وحدها تنتج أكثر من 70% من الانتاج العالمي وتعالج 90%، كما أن تركّز التكرير والمعالجة في المعادن الاستراتيجية ارتفع من 82% في 2020 إلى 86% في2024، مع بقاء الصين اللاعب الأكبر.

هذا التركز لا يُقرأ فقط كنتيجة قرارات سياسية، بل يرتبط بعوامل الكفاءة الصناعية، انخفاض التكاليف، تراكم الخبرات، وتكامل البنية التحتية، ومع ذلك، فإن واشنطن تحاول إعادة توزيع المخاطر داخل نظام اقتصادي مترابط، عبر بناء تحالفات جديدة وتقديم نفسها كقائد بديل.

تناسى المجتمعون ان المركز الحقيقي للنفوذ يكمن في حلقات القيمة العليا، كالفصل الكيميائي، التكرير وغيرها، والصين تسيطر على جُل التكرير عالمياً، ما يعكس مساراً صناعياً طويل الأجل،  وحتى مع المشاريع الجديدة خارج الصين، تبقى القدرات محدودة مقارنة بالطلب المتوقع، ما يعني أن إعادة التوازن ستستغرق سنوات.

والأهم من ذلك ان الاعتماد المتبادل يزيد المشهد تعقيداً. فبينما تعتمد أمريكا وأوروبا واليابان على الصين في المدخلات الوسيطة، تعتمد الصين على الأسواق المتقدمة لتصريف منتجاتها النهائية، وهذا التشابك يجعل الانفصال الكامل غير مرجح اقتصادياً، لكنه لا يمنع احتمالات التوتر،حتى ان التشدد نحو هذا الطرح الجديد كان سيد الاجتماع وتناسى المشاركون ان المشاريع الجديدة في هذا المجال هشة، وأن سياسات إعادة التمركز الصناعي ترفع التكاليف الهيكلية مع طول مدة استرداد رأس المال وقلة الكفاءة.

ان المعادن النادرة نموذجاً لـ»الاعتماد غير المتماثل»، حيث يتركز العرض في دول محدودة بينما يتوزع الطلب عالمياً، وهذا يمنح بعض الدول مواقع تأثير أكبر في مراحل المعالجة، مقابل أدوار أخرى في الاستخدام النهائي، والسيناريوهات المستقبلية تتراوح بين تنويع مُدار، تقلبات متزايدة، أو تنسيق دولي موسع، وكلها تعكس أن السوق ينتقل من نموذج سلع تقليدية إلى موارد استراتيجية عالية الحساسية.

إعلان دخول الولايات المتحدة مرحلة جديدة من استخدام الاقتصاد كسلاح استراتيجي في وقت تُظهر البيانات أن السيطرة الكاملة غير ممكنة في ظل التشابك العالمي، وسعي واشنطن لفرض قواعد جديدة تعيد توزيع النفوذ بما يخدم مصالحها، باتت رمزاً لصراع الهيمنة في القرن الحادي والعشرين، وهذا الصراع يتم تحت مظلة موارد محدودة، طلب متزايد، وأسواق مترابطة، لتتحول كل خطوة إلى معركة على المستقبل، ويبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح واشنطن بفرض رؤيتها حتى في ما لا تملك؟ 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير