النسخة الكاملة

التكنولوجيا لا تلغي الإنسان

بل تعيد تعريف قيمته في سوق العمل

الأحد-2026-02-08 09:25 am
جفرا نيوز -
ماجد احمد السبيه

تدور عجلة الزمن عبر التاريخ منذ  ولادة الحضارات، ومعها تدور عجلة التقدم والتحضر وتطور الصناعات. فالإنسان كائن متعلم بطبيعته، يراكم المعرفة والخبرة جيلاً بعد جيل، وهذا ما جعل التكنولوجيا نتيجة طبيعية لهذا التراكم المعرفي. لم يكن التطور يومًا قفزة مفاجئة، بل سلسلة متصلة من الاكتشافات والتحسينات التي غيرت شكل الحياة والعمل.

منذ منتصف القرن الثامن عشر ومع الثورة الصناعية، ثم خلال القرن التاسع عشر، شهد العالم تحولًا هائلًا مع ظهور الآلات الصناعية وتطور وسائل النقل والإنتاج. حينها ساد الخوف نفسه الذي نسمعه اليوم: "الآلات ستأخذ وظائف البشر”. لكن ما حدث فعليًا أن نمط العمل تغير، وظهرت صناعات جديدة، ووظائف لم تكن موجودة من قبل.

تكرر المشهد مع ظهور الحاسوب، ثم الإنترنت، ثم اقتصاد البيانات، واليوم مع الذكاء الاصطناعي. في كل مرحلة كان القلق مشروعًا، لكن النتيجة لم تكن إقصاء الإنسان، بل انتقاله من الأعمال اليدوية والمتكررة إلى أعمال أكثر مهارة وتعقيدًا. المجتمعات الصناعية لم تنهَر بالبطالة، بل أعادت تشكيل سوق العمل، واستحدثت وظائف جديدة في مجالات لم تكن موجودة أصلًا.

الفرق الحقيقي لم يكن في وجود التكنولوجيا، بل في استجابة القوى البشرية لها. الإنسان هو من يحدد موقعه: هل يكون جزءًا من عجلة العمل والإنتاج، أم يختار الوقوف خارجها. التكنولوجيا بحد ذاتها أداة محايدة؛ يمكن أن تكون وسيلة لزيادة الإنتاجية والكفاءة، أو سببًا في تراجع من يرفض التكيف معها.

المحاسب، الكاتب، الحرفي، الإداري، المعلم، وغيرهم، جميعهم أمام المعادلة نفسها. من يستخدم الأدوات الحديثة لتحسين عمله، وتحليل المعلومات، وتقليل الوقت الضائع في المهام الروتينية، يرفع من قيمته المهنية. أما من يصر على الأسلوب القديم في عالم يتغير بسرعة، فسيجد نفسه أقل قدرة على المنافسة. التكنولوجيا هنا ليست منافسًا للعمالة، بل أداة لتطويرها.

دول عديدة قدمت نماذج واضحة على هذا التوجه. ألمانيا مثلًا تبنت مفهوم "الصناعة 4.0”، حيث دمجت الأنظمة الذكية والروبوتات وإنترنت الأشياء في المصانع، فزادت كفاءة الإنتاج وجودته، وفي الوقت نفسه ظهرت وظائف جديدة في البرمجة والصيانة والتحليل الصناعي. كوريا الجنوبية استثمرت في التعليم التقني والتحول الرقمي، فانتقلت من اقتصاد يعتمد على العمالة البسيطة إلى قوة صناعية وتقنية عالمية. إستونيا ركزت على الحكومة الرقمية والخدمات الإلكترونية، فخلقت بيئة عمل جديدة في قطاع التكنولوجيا والخدمات الذكية. هذه التجارب تثبت أن الشراكة مع التكنولوجيا تخلق فرصًا أكثر مما تلغي.

المطلوب اليوم ليس الخوف من الذكاء الاصطناعي أو التقنيات الحديثة، بل التعلم المستمر وتحديث المهارات. المهارة الأساسية لم تعد مجرد تنفيذ العمل، بل فهمه، وتحليله، واتخاذ القرار الأفضل باستخدام الأدوات المتاحة. القيمة الحقيقية للعامل لم تعد في عدد الساعات التي يعملها، بل في جودة النتائج التي يحققها.

القوة في المرحلة القادمة لن تكون لمن يعمل أكثر، بل لمن يعمل بذكاء أكبر. التكنولوجيا تسرّع العالم، لكن الإنسان الواعي هو من يوجّه هذا التسارع نحو الإنتاج، والابتكار، وخلق فرص جديدة. المستقبل لا يُقصي الإنسان، بل يفتح المجال لمن يختار أن يتطور معه.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير