جفرا نيوز -
لارا علي العتوم
يتسلل بصمت إلى الوعي الجمعي خطر لا يُسمع له دويّ ولا تُرى له أنقاض، لكنه يترك أثره العميق في النفس والعقل، إنها الصدمة البيئية الصامتة، كالإحساس الثقيل الذي يلازم الإنسان لادراكه بأن العالم الذي اعتاد عليه يتغير ببطء، وأن المستقبل الذي كان يبدو امتدادًا طبيعيًا للحاضر بات غامضًا ومقلقًا بسبب تراكم أخبارٍ متكرره عن ذوبان الجليد، واحتراق الغابات وتلوث الهواء، وانقراض الكائنات، حتى يصبح الخوف من الغد حاله وجوديه وليس قلقًا عابرًا.
فيعيش الانسان انقسامًا داخليًا عميقًا، كنوع من مواجهة الصدمه، فمن جهه، يدرك بعقله أن استمرار نمط حياته الحالي يعني تسريع الانهيار البيئي، ومن جهة أخرى، يجد نفسه عاجزًا عن التغيير الكامل، محاصرًا بنظم اقتصادية واستهلاكية أكبر من إرادته الفردية وهنا يتحول الخوف من الغد إلى شعور مندمج من الخوف من فقدان الأمان الطبيعي والخوف من الاعتراف بالمسؤوليه، فالمشكلة البيئية لا تُلقى على عاتق قوة خارجية مجهولة، بل تعود في جوهرها إلى الإنسان نفسه، إلى خياراته اليومية، وإلى صمته الطويل عن أفعال يعرف في داخله أنها خاطئة.
تكشف الصدمة البيئيه الصامته هشاشة العلاقة بين الإنسان والعالم، لقد تعامل الإنسان مع الطبيعه قرونًا طويلة بوصفها موضوعًا للسيطره، موردًا يُستنزف بلا نهايه، ولم يرَ فيها كيانًا مشتركًا للوجود وهذا التصور الأداتي للطبيعة جعل الإنسان ينسى أنه ليس سيدًا عليها، بل جزءًا منها وأن أي خلل يصيبها إنما يرتد عليه، لتبدأ المفارقةُ الكبرى بالخوف من الغد الذي لا ينشأ من قوى غامضه بل من وعي الإنسان المتأخر بحقيقة أنه هو من صنع الأزمه التي يخشاها.
لكن الصدمة، ليست نهاية المعنى، بل قد تكون بدايته، لأن الوعي بالأزمه هو الخطوه الأولى نحو المسؤوليه، حين يدرك الإنسان أن صمته شكل من أشكال المشاركه في الخراب، فيصبح مطالبًا بتحويل خوفه إلى فعل، وقلقه إلى التزام أخلاقي، فالمسؤوليه لا تعني فقط تغيير السلوك الفردي، بل هى إعادة النظر في القيم التي تحكم علاقتنا بالعالم كالاستهلاك، النمو، التقدم والرفاه. إن مسؤولية الحاضر تكمن ببناء وعي جديد يرى في حماية البيئه فعلًا أخلاقيًا لا يقل أهمية عن أي التزام إنساني آخر.
وإما أن يستسلم الانسان للخوف من الغد فيعيش حالة شلل أخلاقي، أو أن يحول خوفه إلى دافع لإعادة بناء علاقته على أساس المشاركه، فالصدمة البيئيه الصامته ليست مجرد أزمه بل امتحان للإنسان المعاصر، امتحان لقدرته على تحمل مسؤولية أفعاله، وعلى الاعتراف بأن المستقبل لا يُنقذ بالتمني، بل بالاختيار الواعي في الحاضر، بحيث يكمن الأمل بالاختيار مُشكلًا بداية وعي جديد أكثر اتساقًا مع الوجود.
حمى الله أمتنا
حمى الله الأردن