جفرا نيوز -
أحمد سعد الحجاج
في سجل الطغيان الإنساني لا يقف المستبد وحيدا فلكل فرعون ظله ولكل جبار عقل يزين له الباطل ويعبده على هيئة مشروع وقوة وبناء. ومن بين أكثر هذه النماذج حضورا في القصص القرآني يبرز اسم ""هامان"""
لا كوزير عابر في بلاط الحكم الفرعوني ، بل كركن صلب في معمار الطغيان، وشريك كامل في صناعة الوهم وتحدي السماء. كان هامان الطاغوت الثاني والعقل التنفيذي الذي منح الاستبداد شكله الهندسي ولونه السياسي، وصوته المتغطرس.
لم يرد ذكر هامان في القرآن الكريم عرضا ولا منفصلا، بل جاء اسمه مقرونا بفرعون في كل موضع تقريبا في دلالة عميقة على طبيعة الدور الذي أداه. لم يكن موظفا ينفذ، بل مهندسا يخطط، ولم يكن تابعا صامتا، بل شريكا فاعلا في بناء منظومة القهر. كان يمثل ذراع الدولة العميقة، وعقلها الفني، وخزينتها التنفيذية، حيث امتلك سلطة القرار في العمران والتشييد، وهي سلطة لا تقل خطورة عن سلطة السيف، لأنها تمنح الطغيان وجها ماديا يوهم الناس بالخلود.
وهنا تتجلى الصورة القرآنية الكاشفة لجوهر هذا التحالف الإجرامي، حين يقرر النص الإلهي حقيقة المشهد بلا مواربة:
''إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين''
فهذا العلو لم يكن علو شخص واحد، بل علو منظومة، ولم يكن فعلا فرديا، بل مشروعا متكاملا شارك هامان في صناعته، تخطيطا وتنفيذا وتزيينا، حتى صار الفساد سياسة، والقتل أداة حكم، والاستضعاف منهجا ثابتا.
وحين واجه فرعون دعوة موسى عليه السلام، لم يكتف بالإنكار والتكذيب، بل لجأ إلى استعراض القوة المعرفية والعمرانية، وهنا تقدم هامان إلى الواجهة. لم يكن أمر بناء الصرح مجرد نزوة ملك، بل كان مشروعا سياسيا وفكريا يحمل رمزية التحدي، صرحا يتسلق به الغرور إلى السماء، ويظن أن الطوب المحروق قادر على اختراق الغيب. في ذلك المشهد تتجلى خطورة هامان، فهو من حول الكفر إلى هندسة، والضلال إلى مخطط، والغرور إلى معمار شاهق.
لقد كشف القرآن في هذا الموضع عن حقيقة عميقة، وهي أن المعرفة حين تنفصل عن القيم، تتحول من نعمة إلى أداة طغيان. كان هامان عالما بتقنيات البناء، خبيرا في الإدارة والتنفيذ، لكنه سخر كل ذلك في معركة خاسرة ضد الحق. لم يستخدم علمه لإعمار الأرض بالعدل، بل لتشييد أوهام القوة، ولم يجعل من قدراته جسرا للنجاة، بل سلما للهاوية. وهنا تتجسد مأساة العقل حين يضع نفسه في خدمة الاستبداد.
ولم يتوقف دور هامان عند الحجر والطين، بل امتد إلى صناعة الوهم النفسي، حيث تحالف مع السحرة وأرباب الشعوذة، لتكريس هيبة زائفة حول سلطة فرعون، وإقناع الناس بأن الطغيان قدر لا يرد. كان يدرك أن السيطرة لا تكتمل بالقوة المادية وحدها، بل تحتاج إلى إخضاع العقول قبل الأجساد، فكان شريكا في تضليل الوعي، وتزييف الحقيقة، وإلباس الباطل لباس القدرة المطلقة.
شخصية هامان تقدم نموذجا خطيرا يتكرر في كل عصر، نموذج الإنسان الذكي الذي خان ذكاءه، والعالم الذي باع علمه، والمهندس الذي بنى قبرا لقيمه بيديه. لم يكن يجهل حقيقة ما يفعل، لكنه اختار التبعية المطلقة للطاغية، فصار جزءا من آلة الظلم، لا يستطيع الفكاك منها، ولا يملك الشجاعة ليقف في وجهها. هكذا يتحول الإنسان من صاحب قرار إلى أداة، ومن عقل حر إلى تابع مسلوب الإرادة.
وحين جاء الحساب، لم تنفع الصروح، ولا شفاعة العلم، ولا هندسة الغرور. غرق فرعون، وسقط هامان، وتهاوت معهم أسطورة القوة التي ظنوا أنها لا تقهر. تحطم المشروع كله أمام موجة من بحر، لأن الباطل مهما بدا متماسكا، يحمل في داخله بذرة فنائه. لم يسقط هامان لأنه ضعيف، بل لأنه وقف في الجهة الخاطئة من التاريخ والإيمان.
إن قصة هامان ليست حكاية ماض، بل مرآة حاضرة، تذكرنا بأن الطغيان لا يعيش بالسيف وحده، بل بالعقول التي تزينه، وبالخبرات التي تبرره، وبالأقلام التي تلمعه. وكم في كل زمان من هامان جديد، يبني صروح الظلم باسم التقدم، ويبرر القهر باسم المصلحة، ويظن أن المعرفة تحميه من سنن الله.
غير أن الخاتمة واحدة لا تتبدل. يزول الباطل مهما علا بنيانه، ويبقى الحق مهما اشتد عليه الحصار. تسقط الصروح، وتبقى الكلمة الصادقة، ينهار الجبروت، وتبقى سنن العدل شاهدة. فسبحان من أخذ المتجبرين أخذ عزيز مقتدر، وسبحان من جعل العبرة لا في علو البناء، بل في صدق الموقف، ولا في قوة الطغاة، بل في بقاء الحق، وإن جنح الباطل حينا فمآله إلى زوال.!!