جفرا نيوز -
بشار جرار
لفت انتباهي منذ أيام والناس في «عزّ البرد» أثناء عاصفة «فيرن» في أمريكا، «تحدي» محبب إلى قلوب الأمريكيين، خاصة العسكريين والرياضيين والتربويين.. تلك الشريحة الأخيرة، تؤمن بذلك التحدي، لإعادة التأهيل والإصلاح، وتعديل السلوك، وتحفيز الإرادة، وليس العقاب!
من التحديات في «زمن الشقاوة» ما تعرف بالمْكاسَرَة. يتحدى أحدهم الآخر، على نحو فردي أو جماعي، فيتم اختيار أو مبادرة اثنين من مفتولي العضلات طوعا إلى «المكاسرة» بالذراعين، تحديدا من الكوع إلى البوع فما فوقَ إلى القبضتين، أيهما «يكسر» قوة أو إرادة الآخر؟ أيهما يستسلم إلى الألم أو «الضغط» أولا، فيكون الثمن انهيار صمود القبضة على البوع ومن ثمّ الكوع، فيُردي الذراع جانبا في حالة استسلام تام، على المنضدة التي لا تكون دائما معدة للتفاوض، حيث تبدو أحيانا وكأنها مأدبة طعام، أو منصة لفنجان قهوة و»منفضة» سجائر، أو «طاولة زهر» تعلوها نرجيلة، وإن تمت تنحيتها جانبا!
التحدي الشائع والمستمر على امتداد عقود، ربما منذ ما قبل الحرب الباردة بين ما كانا قطبي العالم موسكو وواشنطن، التحدي يتعلق بالضغط أيضا، لكنه ذلك النوع البدني الرياضي العسكري، بما يعرف بتمارين الضغط التي لم تقتصر على الضغط انبطاحا، بل وقوفا بالاستناد إلى جدار، وبالاتجاهات كافة، وبتمارين دائبة التطور، منها ما يقوم على استخدام يد واحدة فقط، فيما الأخرى وراء الظهر تماما كما نفعل في آداب تناول المنسف إفساحا للمجال لمزيد من الضيوف على ذبيحة لا تُقَدَّم إلا لكرام الناس.
أتابع -وأحيانا أشتبك إيجابيا- عبر الفضاء الأزرق مع حسابات كثير من السادة المشرعين (من مجلسي الشيوخ والنواب) والمسؤولين الأمريكيين العاملين والمتقاعدين، والصحيح أن متابعتي من حيث كونها «عالميَ الخاص»، منسجمة مع انتمائي الحزبي والفكري.
ما لفت انتباهي منشور مرفق بفيديو لأحد الجمهوريين الصقور في مجلس الشيوخ الأمريكي، السيناتور جوش هاوْلي، وهو بالمناسبة من عشّاق الأردن ومحبي سيدنا الذي أثنى على حكمته وشجاعته في مداولات تحت القبة وعبر تصريحات في مجلس الشيوخ ومقابلات إعلامية عديدة خاصة على قناة فوكس نيوز. قبِلَ السناتور هاوْلي وهو السياسي والمحامي الذي لم يخدم في صفوف القوات المسلحة، قبل التحدي من مجموعة طلبة «مرشحين» من كلية وِسْتْ بويْنْت العسكرية، المرموقة عالميا، وقد كانوا في زيارة للمجلس، بصفته عضوا في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ. قبِل السناتور هاولي المعروف بحماسته للدفاع سياسيا وقانونيا عن قضايا المحافظين، قبل تحديا من الجيل الجديد في وست بوينت، فقام بمعيتهم وفي أحد أروقة مجلس الشيوخ أمس الأول، بتنفيذ مسابقة عاجلة دون استعدادات مسبقة، وهو ببدلته وربطة عنقه، مع قائد مجموعة «المرشحين العسكريين» الزائرة، فانتصر عليه نصرا مؤزّرا، نال عليه تصفيقا حارا من الجميع. تمكن جوش -ستة وأربعين عاما- من الضغط إحدى وسبعين مرة دون توقف!
بالتداعي الحر أو لعلها خوارزميات إيلون ماسك، أخذني «اللايك» الذهبي وإعادة تغريد المنشور إلى تغريدة لصديق آخر على تلك المنصة، وهو سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة المستشار السابق للأمن القومي في إدارة ترمب الثانية، والعضو السابق في مجلس النواب الأمريكي. إنه العقيد المتقاعد من العمليات الخاصة «ذوي القبعات الخضر» مايك وولتز، حيث قبِلَ هو الآخر التحدي عينه لكن هذه المرة على أرضية مركز كينيدي حيث تم عرض الفيلم السينمائي الوثائقي «ميلانيا»، السيدة الأولى، عقيلة الرئيس دونالد جيه ترامب. كان السفير والتز وإلى جانبه عقيلته الأردنية الأمريكية جوليا النشيوات في كامل «شياكته» مستعدا لتمارين الضغط -اثنان وخمسون عاما- والتي انتهت هذه المرة دون رابح أو خاسر، كفريق واحد شعاره -وقد تم توظيفه كهاشتاق في التغريدتين: «غو آرمي» بما يمكن ترجمته إلى «مرحى للجيش»..
تلك هي الروح الأمريكية والثقافة السائدة بعيدا عن «التسييس» والرسميات. الوظيفة العامة مدنية أم عسكرية، خدمة وواجب وشرف، لا مكان فيها للتعالي، ولا انقطاع فيها عن السبب الحقيقي للنجاح المهني وحتى الشخصي. ففي هاتين الحالتين سر النجاح في التربية الأسرية المحافظة والثقافة العسكرية، حيث الالتزام الدائم -في الحياتين الخاصة والعامة- بالانضباطية والرفاقية والأخوة العسكرية، والحرص على أعلى درجات اللياقة البدنية التي يتطلبها واجب «خدمة العلم» بالمعنى الحقيقي الشامل للكلمة.
حضرتني في هذين الموقفين، مقولة جلالة قائدنا الأعلى لمجموعة من الشباب الأردني قبل سنوات: إنتوا إضغطوا من تحت وأنا بضغط من فوق..
ربنا ينصر سيدنا راعي مسيرتنا المباركة المظفرة بعون الله. ولمزيد من العمر السعيد المديد أبا الحسين، والعهد العبدليّ الهاشمي الزاهر الميمون الذي ينعم فيه الإنسان الأردني -مدنيين وعسكريين- بأعلى درجات الضبط والربط، واللياقة البدنية، والمعنوية العاااالية..