جفرا نيوز -
د. دانا خليل الشلول
لا تبدأ مأساة اليتم في بيوتنا لحظة غياب الأب فقط، بل حين تتحول الدار من ملاذٍ آمن إلى "تركة" يتقاسمها أقاربٌ "أباعد" يظهرون فجأة خلف ثغرات التشريع، ليشاركوا في قسمة كدحٍ لا يحق لهم، ولم يبذلوا فيه قطرة عرقٍ واحدة.
1. الفخ الاجتماعي: المرأة شريكة في الإنفاق.. مستثناة من الإرث
ثمة تناقضٌ صارخ نعيشه اليوم؛ فبينما يُشترط على الفتاة أن تكون "عاملة" لتشارك في بناء الأسرة وتتحمل أعباء المعيشة، ويكون هذا مطلباً عند الكثير من الشباب للارتباط بفتاة، في حين يسلبها الأقارب ذات الحق فور وفاة والدها بدعوى "القوامة".
فكيف يُقبل أن تكون المرأة عماد الدار في الحياة وشريكة في التأسيس، ثم تُوصم بأنها "عالة" تحتاج للإعالة عند اقتسام الميراث؟.
2. جهود ضائعة: حماية مدخرات "الأم" والابنة من المحاصصة
في حين أنَّ هذا المال الذي يزاحم عليه الأعمام والعمات هو ثمرة تضحيات نساء البيت؛ فكثير من الأصول تشكلت من راتب الأم وحُليها، ومن سياسة "التقشف" التي فرضها الأبوان على بناتهما بحرمانهن من الرفاهيات والكماليات وأحياناً بعض الأساسيات لتأمين مستقبل أفضل لهنَّ، وحين يأتي القريب لانتزاع "حصته" عند غياب الابن الذكر في الأسرة، فهو يقتطع فعلياً من استثمار امرأةٍ أمضت عمرها لتأمين ذريتها، ليتحول ذاك "الحرمان" الذي عاشته البنات إلى رصيدٍ في جيب من لم يسهم بقرشٍ واحد في ذاك البناء ليمنحها لأبنائه ليعيشوا في رفاهيّةٍ لا تحلُّ لهم وليست من حقهم.
3. انتقال الثروة: رفاهية الأقارب على حساب أمان البنات
إن الخطورة تكمن في أن المال المستقطع عبر "التعصيب" يخرج نهائياً من مسار الأسرة؛ فهو يذهب لتمويل رفاهية أبناء الأقارب من أبناء العم والعمات الذين سيورثونه بدورهم لأبنائهم، في حين تُحرم بنات صاحب الحق الأصلي من استدامة ثروة ذويهن، مما يؤدي إلى هدر الأصول العائلية لصالح أطراف لا حق لها في هذا الكدح، وجاءهم على طبقٍ من ذهب دون تفكيرٍ أو تعب.
4. سقوط علّة "للذكر مثل حظ الأنثيين"
قام هذا التقسيم تاريخياً من منظورٍ دينيٍ إسلامي، قائماً على فلسفة تحمل الذكر مسؤولية النفقة الكاملة لشقيقته وزوجته، لكن الواقع اليوم تغير؛ فبقاء الامتياز المادي مع سقوط واجب الإنفاق هو اختلال لميزان العدل، مما يستوجب المساواة التامة لاستواء المسؤوليات المالية والواجبات المعيشية بين الجنسين في العصر الحديث.
فلم نعد نرى الأخ المعيل لأخواته من حصته في الميراث، وتقريباً لم يعد هنالك وجود للعم المعيل لبنات أخيه، الذي من المفترض أن يُنفق على بنات أخيه من حصته في الإرث، وليس أن يضعها في جيبه ليؤمن مصدر دخلٍ ورفاهية جديدٍ لزوجته وأبنائه، ويضيفها إلى إرثهم ليكون ذخيرةً لهم في المستقبل.
5. دلالة "الولد" في القرآن: حماية الذرية أولاً
بالاستقراء اللغوي، نجد أنَّ القرآن الكريم حين أراد تخصيص الجنس كاستخدم لفظي "الذكر" و"الأنثى"، بينما جاء لفظ "الولد" ليشمل الذرية بمجملها دون تمييز، وهنا نستطيع الجزم بأنَّ المقصد الأصيل للتشريع هو حماية الأسرة الصغيرة من الضياع، وبناءً عليه، فإن وجود البنت (الأنثى) يجب أن يكون سبباً كافياً لحجب الأقارب الأباعد، التزاماً بروح النص التي تسعى لتأمين استقرار الذرية المباشرة.
6. القوامة الانتقائية: التهرب من المسؤولية والتدخل في الخصوصية
تتجلى الفجوة الأخلاقية في "العم الوارث" الذي يمارس سلطة مزاجية؛ فقد تمر سنوات دون أن يسأل عن أحوال بنات أخيه وما يواجهن من مصائب وعثرات، أو يشارك في أعباء معيشتهن، لكنه عند تقسيم الميراث يصبح أول المطالبين، فاتحاً كفيه لأخذ مال يتيماتٍ يواجهن الحياة.
والمفارقة أنّه رغم تنصله من واجب النفقة والصلة، نراه يتصدر المشهد لفرض وصايته وتدخله في أدق خصوصياتهن وتسيير حياتهن كـ"ولي أمر"، في ممارسة مشوهة للقوامة؛ حيث يحضر وقت الغنائم وفرض القيود، ويغيب تماماً عند مسيس الحاجة للحماية والسند، أو عند وجود ضائقة مالية تستدعي أن يُنفق عليهن من "نقود والدهن"
7-الاستقلال المالي وإسقاط وهم الإعالة
كما أنَّ هنالك تناقضٌ صارخ نعيشه اليوم؛ فبينما يُشترط على الفتاة أن تكون "عاملة" لتشارك في بناء الأسرة، يسلبها الأقارب ذات الحق فور وفاة والدها بدعوى "القوامة"، إلا أنَّ مفهوم القوامة التقليدي الذي يبرر منح الذكر نصيباً أكبر قد استنفد مبرراته؛ فالمرأة المعاصرة تمتلك ذمة مالية مستقلة وتدير حياتها وبيتها بكفاءة تامة، وأحياناً تكون هي من تنفق على الأسرة وتساند زوجها أو تُعيله؛ لذا، فإنَّ العدالة تقتضي المساواة الكاملة في الإرث، اعترافاً بقدرة كل فرد على تدبير شؤونه بنفسه دون وصاية مادية تجاوزها الواقع.
8-بين النص والممارسة: ازدواجية "التعصيب"
إن التمسك بالتقسيم التقليدي "الشرعي" ، مع ممارسة تصرفات "غير شرعية" في الواقع يخلق فجوة أخلاقية؛ فما قيمة النص إذا استُخدم لانتزاع الحصص مع التحلل من واجب الإنفاق؟ لم نعد نرى الأخ أو العم المعيل، بل نرى حصصاً تُستقطع لتأمين رفاهية أسر الأقارب على حساب أمان البنات اليتيمات، حيث إنَّ بقاء الامتياز المادي مع سقوط واجب النفقة هو اختلال لميزان العدل، وتحويل للميراث إلى غنيمة باردة لمن لم يسهم في البناء بقرشٍ واحد، ولم يقضي لحظة تفكيرٍ في بنائه.
9. المسارات التشريعية لإنصاف الأسرة والمرأة
-إبطال نظام "التعصيب": وحصر الإرث في "الأسرة النواتية" (الأبناء، الوالدين، الزوجين).
-إلغاء قاعدة "لا وصية لوارث": لمنح الأب الحرية الكاملة في تأمين بناته.
-تقنين "الوصية الواجبة" للبنات: لضمان عدم تشريدهن من مأواهن الوحيد، أو محاصصتهن في أموالهن وأموال ذويهن.
تطبيق نظام "المقاصة": لاسترداد مساهمات الأم المالية كدين ممتاز قبل توزيع التركة.
-قيام تقسيم الميراث وفقاً لقانون مدني يضمن توزيع التركة داخل الأسرة النواتية فقط وبالتساوي.
في حين أنَّ العدالة الحقيقية تقتضي أن تظل ثمار كدح الآباء داخل حدود بيتهم الصغير، بعيداً عن أطماعٍ لا يقابلها واجب صلة أو إنفاق، فقد آن الأوان لتحديث التشريعات بما يضمن بقاء "الأمان" لمن استثمر حياته في بنائه.