جفرا نيوز -
بشار جرار
بئس التجارة هي والبضاعة، لا سوق لديها إلا من كانوا على شاكلة بعضهم بعضا، وصدق من قال وافق شنٌّ طبقه!
مشكلتنا بعد تفشي وباء منصات التهافت الجماعي والتناحر الاجتماعي أنها ساهمت في رفع ما ستره الله عما ابتلي به بعض الناس من سوء المنشأ أو بالأصح المرتع، وسوء المنقلب، فالعاقبة دائما للمتقين.
تفشت البذاءة وسوء الخلق حتى وإن أتى من وراء أقنعة تخفي وجوها تدّعي الإيمان والفضيلة، الوطنية أو المهنية، تفشت وتمادت، توغلت وأوغلت في أعراض الناس وكراماتهم وسمعتهم وأخص خصوصياتهم، دون وازع أو رادع.
وما كان نادرا أو صادما صار ليس بخارج عن المألوف، بل صار تحصيلا حاصلا مع كل نقاش أو خلاف أو مواجهة وكأنها منازلة من أي نوع كانت، مسلحة أو مدنية، رياضية أو فنية، موضوعية أو حتى علمية محضة، يفترض أن تكون من ضمن ما يجمع الناس عليه.
أعلم -بكثير من الأسى والأسف- الكثير من تلك الأنماط والسلوكيات البشرية التي استخفت بمفاهيم رصينة ومقدسة كالأمانة والشهادة، الأمانة التي خرت منها الجبال، والشهادة التي لا يمنحها سوى واهب الحياة. من نحن وبأي حق ندخل في جوف الليل والصدر حتى نعلم أي الناس قام متعبدا خاشعا، مناجيا راجيا وجهه الكريم.
استسهل الجهلاء الأجلاف الذين زاد من قبح وخواء ما في صدورهم ورؤوسهم، استسهلوا التكفير والتخوين، واستمرأوا شهادات الزور وما يفوق إثم قذف المُحصَنات، فصاروا يخوضون بأحكام الديّان سبحانه، فيلقون بجهالتهم هذا في سقر وذاك في عليين وكأنهم القضاة والخَزَنة ، لا لشيء إلا لأن صاحب رأي أدان حزبالله أو حماس أو نظام ملالي إيران الذين يريدون الآن في الأسبوع الثالث من المظاهرات غير المسبوقة منذ شباط عام 1979 يريدون بشدة استئناف المفاوضات التي شملت شروطها الجديدة ما هو أبعد من الملفات النووية والصاروخية والفصائلية الإقليمية فيما سمي «محور المقاومة والممانعة»!.
آفة الشتامين بلغت حد توسيع دوائر هذا الفعل القبيح لساحات أخرى بعد تهاوي «وحدة الساحات» الإيرانية، فتم إدخال فنزويلا وحتى كولومبيا وكوبا وغرينلاند دائرة الشتم والتحريض. وما زاد من الطين بلة ومن أولئك الشتامين خسة، أن الأمر خرج من العالم الافتراضي إلى الواقع الاجتماعي الحقيقي، فبلغ الأمر القطيعة بما فيه العقوق الأسري وقطع الأرحام والعياذ بالله.
ومما لم يخطر على بال، بلوغ الانحدار مستويات تستدعي التدخل من ذوي الاختصاص وقادة «الرأي والمزاج العام» في المجتمع، ألا وهي نبرة جديدة آخذة بالتفشي، وهي تحول الشتامين إلى شامتين. ويا لها من نقيصة تدل على حجم أصحابها، أن يشمت إنسان «بالغ عاقل راشد» بموت إنسان أيا كان، فما بالك إن كان فقدان الحياة مع أسرة فيها أطفال وطاعنين في السن، أو إن كان الموت جراء قصف أو حريق أو حادث سير أو جريمة أو كارثة طبيعية.
وكم كان مثيرا للحنق أن تطال الشتائم والشماتة حتى الفضاء السيبراني التوعوي الخاص بقضايا يفترض أن تكون محل إجماع إنساني ووطني كتلك الخاصة بمكافحة الإدمان، الإدمان على السموم المسماة المخدرات. كم كان صادما أن يشكو علّامة من أفذاذ قاماتنا العلمية الباسقة، طبيب نطاسي يشار إليه بالبنان على مستوى الشرق الأوسط كله وليس الأردن فحسب، طبيب مستشار دولي ذائع الصيت دوليا، مرضاه يراجعون عياداته وفريقه الطبي من دول الخليج العربي وأمريكا الشمالية و وبريطانيا، كم كان مخجلا أن يتعرض إلى «سيل من الشتائم» كما شكا في منشور على صفحته الخاصة والمهنية عبر الفيسبوك أو «الفيس» كما جرت العادة اختصاره. بأي «فيس»، ينظرون إلى المرأة كل صباح، وبأي وجه يقفون بين يدي ربهم وبأي وجه يلقون الله.. لن ينجرّ طبيب في تلك المكانة المرموقة إلى درك أولئك المسيئين، لكن من الواجب ومن حقه ومن حق كل متضرر وجميعنا متضررين من شرورهم، أن يحفظ حقه ومكانته وسمعته المعنيون من ذوي الاختصاص.
خطورة الفوضى والأذى في هذا «الفضاء المسموم» هي إما الاعتزال أو اللامبالاة، وكلاهما ظلم للمهتمين بالشأن العام سيما الغيارى من النشامى.