جفرا نيوز -
لما جمال العبسه
في متابعة لاسواق النفط العالمية لما بعد أحداث كراكاس الفنزويلية، كان ملاحظاً أن العالم لم يعد يتعامل مع النفط كما كان يفعل قبل عقدين، حين كان شعار «لا دماء مقابل النفط» مجرد صرخة احتجاجية في شوارع الغرب، اليوم وبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن السيطرة على النفط الفنزويلي ستسمح بخفض الأسعار إلى 50 دولاراً للبرميل، يتضح أن هذا الشعار عاد ليعكس واقعاً أكثر قسوة، فالمحاولة الأميركية لإعادة إنتاج سياسات استعمارية في سوق فقدت حساسيتها تجاه التوترات الجيوسياسية تبدو بلا جدوى عملية.
الأسواق العالمية التي كانت ترتجف عند كل أزمة سياسية باتت أكثر بروداً وبراغماتية، خاصة مع تواصل الأحداث الجيوسياسية وتتابع وقوعها بشكل غير مسيوق، حيث اصبحت الاسواق تقرأ المشهد من زاوية العرض والطلب لا من زاوية الخطاب السياسي.
ولتحليل ما يحصل من تجاهل الاسواق لآخر المعطيات على الساحة العالمية، نجد أن إنتاج فنزويلا الحالي لا يتجاوز مليون برميل يومياً، أي أقل من واحد بالمئة من الإنتاج العالمي، وهو رقم يسهل تعويضه من مصادر أخرى، وحتى لو تمكنت واشنطن من السيطرة على هذه الكميات، فإن البنية التحتية المتهالكة والديون العالقة والفساد المؤسسي هناك تجعل أي زيادة جوهرية في الإنتاج رهناً باستثمارات تتجاوز مئة مليار دولار على مدى عقد كامل، وهو ما لا يتناسب مع الطموح الأميركي بخفض الأسعار سريعاً.
الامر الاخر، هناك تحالف منظمة أوبك+ التي قرأت المشهد مبكراً، فاختارت في اجتماعها قبل نحو اسبوع تجميد أي زيادات في الإنتاج كخطوة استباقية ضد وفرة المعروض المحتملة، مؤكدة ً أن السوق يجب أن تُدار وفق أساسيات اقتصادية لا وفق نزوات سياسية، هذا الموقف يعكس إدراكاً عميقاً بأن الطموحات الأميركية لا يمكن أن تتحقق بين ليلة وضحاها، وأن زمن الهيمنة الأحادية على سوق النفط قد انتهى.
أما النفط الفنزويلي نفسه لا يمثل الحل السحري الذي يتصوره ترامب، فهو خام ثقيل عالي الكبريت، يتطلب عمليات تكرير معقدة ومكلفة، في وقت تهيمن فيه الولايات المتحدة على إنتاج النفط الصخري الخفيف، كما أن الشركات الأميركية الكبرى ما زالت تطالب بتعويضات عن أصول صودرت سابقاً، ما يزيد من ترددها في ضخ استثمارات جديدة، خاصة في ظل مخاطر سياسية وأمنية تجعل من أي التزام طويل الأمد مقامرة غير محسوبة.
الأسواق من جانبها، لم تُظهر استجابة بعلاوة مخاطر مرتفعة بعد أحداث كاراكاس، وظلت الأسعار تتمركز حول ستين دولاراً للبرميل، مدفوعة بتوازن العرض والطلب وسياسة أوبك+ الحذرة، لا بخطابات البيت الأبيض، وهذا البرود يعكس تحوّلاً جوهرياً تمثل في فقدان الأسواق حساسيتها تجاه التوترات الجيوسياسية، وأصبحت تقرأ المشهد ببرود اقتصادي، لتؤكد أن سياسات «الدم مقابل النفط» لم تعد سوى صدى باهت لماضٍ استعماري بلا مستقبل.
في النهاية، رهان ترامب على النفط الفنزويلي كأداة لخفض الأسعار وتعزيز شعبيته الداخلية ليس سوى وهم سياسي يفتقر إلى أدوات التنفيذ، فالمعادلة النفطية اليوم لا تُحسم بالشعارات ولا بالقرارات الاستعراضية، بل بالاستثمارات الضخمة، الاستقرار السياسي، والتكنولوجيا الحديثة، والمستقبل لا يُكتب في كاراكاس ولا في البيت الأبيض، بل في معادلة الطاقة العالمية التي تتحول بسرعة نحو التنوع والاستدامة، وأن قرار الهيمنة على أسواق النفط ليس بالأمر الهين.