النسخة الكاملة

المسرح في زمن الأزمات: بين الضرورة الأخلاقية والاستثمار الرمزي

الخميس-2026-01-08 03:32 pm
جفرا نيوز -
فراس زقطان

في زمن الأزمات الكبرى  يدخل المسرح المشهد بوصفه فنا و سؤالًا أخلاقيا ملحا. (الحروب، الاحتلالات، والانهيارات الاجتماعية) يتم استدعاء المسرح لانه  قادر على قول ما تعجز السياسة عن الاعتراف به. غير أن هذا الاستدعاء نفسه يضع المسرح أمام مفترق حاسم: إمّا أن يكون فعلًا نقديا يربك المعنى السائد، أو أن يتحول إلى منصة رمزية تستثمر الكارثة وتعيد إنتاجها في صيغة قابلة للاستهلاك.

حين يواجه المسرح الأزمات بجدية، لا يعمل بوظيفة التوثيق ولا يمنح عزاء أخلاقيا سهلًا. فهو مساحة لاختبار الخطاب و تعطيل البلاغة الجاهزة، وكشف التصدعات التي يحاول الواقع إخفاءها. لا يتحدّث باسم الضحية، ولا يمنح المتفرج شعورا سريعا بالبراءة، بل يضعه في مواجهة أسئلة بلا إجابات. هنا، تصبح الخشبة مكانا للقلق لا للتطهير.

لكن هذه الضرورة الأخلاقية سرعان ما تتآكل. فالأزمة، داخل المشهد الثقافي، تتحول بسرعة إلى قيمة تداولية.

في هذا السياق، يبدو مسرح الأزمات شبيهًا بخطاب سياسي يتحدث طويلًا عن "الضغط الأخلاقي” من دون سياسة. لغة مرتفعة النبرة، نتائج محدودة، وحرص دائم على عدم كسر التوازنات القائمة. المسرح هنا يقول كل شيء تقريبًا، لكنه يتوقّف قبل النقطة الحساسة: يُدين العنف من حيث المبدأ، و لا يقترب من بنيته؛ و يحتفي بالضحية من دون إزعاج من ينتجها أو يستهلك صورتها
وتبرز فلسطين في قلب هذا الإشكال بوصفها المثال الأكثر فجاجة على الاستثمار الرمزي. فلسطين، التي ما زالت جرحًا مفتوحًا، تُستدعى إلى المسرح و حتى في النشاطات الموازية و الكثير من العروض ليس باعتبارها واقع شعب و ارض بل كحزمة رموز جاهزة: كوفية، مفتاح، خريطة، أغنية، أو مونولوج بكاء و في مرات كثيرة بوست على مواقع التواصل الاجتماعي . رموز تُستخدم لتأمين شرعية أخلاقية سريعة، من دون مساءلة السياق أو تحمل كلفة الموقف. تُفصل فلسطين عن حاضرها العنيف، وتقدّم كأيقونة إنسانية "آمنة”، صالحة للتعاطف، وغير مزعجة للمنصات المستضيفة أو الجهات الداعمة
في هذا الاستخدام الانتهازي، لا تُستدعى فلسطين لتفجير الأسئلة مثلا ، فهي تتحول إلى ديكور أخلاقي يجمّل العرض ويمنحه عمقا مستعارا. يُرفع اسمها بدون معناها السياسي عندها، لا يعود المسرح شاهدًا على القضية، بل وسيطًا لإعادة تدويرها وفق شروط السوق الثقافي.

المشكلة، إذن، ليست في حضور فلسطين على الخشبة، بل في كيفية هذا الحضور. بين مسرح يشهد على العنف بوصفه بنية مستمرّة، ومسرح يستثمر الرمز لأنه مأمون العواقب، مسافة أخلاقية حاسمة. الأوّل يخاطر بعلاقاته، تمويله، وجمهوره و الثاني يربح التصفيق والدعوات من دون أن يدفع ثمنًا.

في المحصلة، لا يُختبر المسرح في زمن الأزمات بصدق النوايا ولا بجماليات العرض، بل بقدرته على تحمّل المخاطرة. إما أن يكون مساحة مساءلة حقيقية تُقلق وتزعج وتُفكّك، أو أن يتحوّل إلى واجهة أنيقة لإدارة الألم، حيث تُستهلك القضايا الكبرى — وفي مقدّمتها فلسطين — بوصفها مواد رمزية قابلة للتدوير.

في هذا الفاصل الضيّق بين الضرورة الأخلاقية والاستثمار الرمزي، يتحدّد معنى المسرح اليوم.


© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير