جفرا نيوز -
د.مارسيل جوينات
سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه يحمل في طياته قلق سنوات طويلة من الاضطراب وعدم اليقين. فالتفاؤل في منطقتنا لم يعد حالة شعورية عفوية، بل قرارًا عقلانيًا يحتاج إلى مبررات واقعية. ومن هنا، فإن النظر إلى عام 2026 يفرض قراءة هادئة للمشهد السياسي والاقتصادي بعيدًا عن المبالغة أو السوداوية.
يدخل العالم عام 2026 وهو في مرحلة انتقالية واضحة، حيث لم يعد النظام الدولي مستقرًا على شكل واحد، ولا تزال موازين القوة في حالة إعادة تشكل. هذا الارتباك العالمي انعكس بشكل مباشر على الإقليم، لكنه في الوقت نفسه خفف من اندفاع القوى الكبرى نحو التدخل المباشر، ما أتاح للدول الإقليمية مساحة أوسع لإدارة شؤونها بنفسها. هذا التحول، رغم مخاطره، خلق نوعًا من التوازن القائم على الحذر المتبادل بدل المواجهة المفتوحة.
في الشرق الأوسط تحديدًا، يبدو أن منطق الصدام الشامل تراجع لصالح إدارة الأزمات. فالأطراف المتنازعة، بعد سنوات من الاستنزاف البشري والاقتصادي، باتت أكثر إدراكًا لكلفة استمرار الصراع دون أفق. هذا لا يعني أن جذور الأزمات قد حُلّت، لكنه يشير إلى تغير في السلوك السياسي، حيث أصبحت التهدئة المؤقتة والوساطات خيارًا مفضلًا على الانفجار غير المحسوب. وفي سياق تاريخ المنطقة، يُعد هذا التحول مؤشرًا مهمًا يمكن البناء عليه.
وفي هذا المشهد الإقليمي المضطرب، يبرز الأردن كنموذج للدولة التي اختارت الثبات والعقلانية نهجًا في التعامل مع التحديات. فقد حافظت القيادة الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، على سياسة خارجية متوازنة تقوم على الحكمة والوساطة والدفاع الثابت عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، دون الانجرار إلى مغامرات سياسية أو عسكرية. وعلى الصعيد الداخلي، ورغم الضغوط الاقتصادية الصعبة، سعت الحكومة الأردنية إلى الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والمؤسسي، وتعزيز الإصلاحات التدريجية، وإدارة الأزمات بواقعية، وهو ما عزز من قدرة الدولة على الصمود وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب، وجعل الأردن عامل استقرار لا عنصر توتر.
اقتصاديًا، تلعب الضغوط المعيشية دورًا محوريًا في توجيه القرار السياسي. فارتفاع معدلات البطالة، وتآكل الطبقة الوسطى، وتزايد الأعباء على الحكومات، كلها عوامل تدفع نحو البحث عن الاستقرار باعتباره شرطًا أساسيًا للنمو. لم تعد المغامرات السياسية مقبولة داخليًا كما في السابق، وأصبح الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والهدوء ضرورة سياسية واقتصادية في آن واحد. هذه المعادلة تفتح نافذة محدودة لكنها حقيقية للتفاؤل.
ومع ذلك، فإن هذا التفاؤل لا يمكن أن يكون مطلقًا. فالكثير من الأزمات ما زالت قائمة دون حلول جذرية، والفجوة بين الشعوب وصنّاع القرار لم تُردم بعد، كما أن غياب العدالة السياسية والاجتماعية في بعض الدول يبقي احتمالات الاضطراب قائمة. الهدوء الحالي قد يكون هشًا، وأي صدمة اقتصادية أو أمنية قد تعيد خلط الأوراق سريعًا.
من هنا، يمكن القول إن عام 2026 لا يعد بعصر ذهبي جديد، لكنه قد يمثل مرحلة كبح للتدهور ومنع للأسوأ. التفاؤل هنا ليس انتظار معجزة، بل إدراك أن مجرد تراجع الفوضى وفتح مساحات للحوار يُعد تقدمًا مقارنة بسنوات الفوضى المطلقة. إنه تفاؤل مبني على الواقعية، وعلى فهم أن التغيير في منطقتنا غالبًا ما يكون بطيئًا وتراكميًا لا مفاجئًا.
نعم يمكن أن نتفاءل بعام 2026، لكن تفاؤل من يدرك حدود الممكن، ويعلم أن الاستقرار ليس نهاية الطريق، بل بدايته فقط