النسخة الكاملة

الحواري يكتب: عندما تُترك المدن وحيدة

الإثنين-2026-01-05 11:07 am
جفرا نيوز -
بقلم: محمد الحواري

ليست قصة ديترويت بعيدة عنا كما قد تبدو؛ فهذه المدينة الأميركية التي كانت يوماً "قلب العالم الصناعي" النابض، تقدم اليوم درساً إنسانياً بليغاً. إنها حكاية عن مصير الحواضر حين تُدار بمنطق الأرقام الجافة، ويُسقط "الإنسان" من معادلات الربح والخسارة.

الصعود والوعد الهش في منتصف القرن الماضي، كانت ديترويت تجسيداً حياً للازدهار. لم تكن صناعة السيارات هناك مجرد قطاع اقتصادي، بل كانت هوية كاملة. بنى ملايين العمال حيواتهم خلف أسوار المصانع الضخمة، حيث تشكلت المدارس والأحياء بناءً على عقد اجتماعي صريح: "العمل مقابل الاستقرار".

لكن هذا الاستقرار كان يقف على أرضية رخوة؛ إذ اعتمدت المدينة على اقتصاد أحادي لا يرى أبعد من خط الإنتاج. وعندما عصفت رياح الأتمتة والمنافسة العالمية، اكتشفت ديترويت أنها لم تكن مستعدة للغد.

أرقام تعكس الانهيار

ما حدث في ديترويت لم يكن تراجعاً عادياً، بل كان زلزالاً ديموغرافياً واجتماعياً:

• هجرة جماعية: غادر المدينة أكثر من نصف سكانها على مدار عقود، تاركين وراءهم أحياءً كاملة للريح.

• أطلال صناعية: تحولت عشرات الآلاف من المباني والمنشآت إلى هياكل خاوية، وصارت المدينة تضم مساحات شاسعة من الأراضي المهجورة تعادل في مساحتها مدناً بأكملها.

• عجز الخدمات: وصل الحال بالمدينة قبل إعلان إفلاسها عام 2013 إلى عجزها عن إنارة نحو نصف مصابيح شوارعها، واستغراق وصول الشرطة إلى مواقع الحوادث أضعاف الوقت المفترض في المدن المستقرة.

النزيف العربي "غير المرئي"

هذه القصة ليست حكراً على الغرب. في عالمنا العربي، نجد مدناً ارتبط مصيرها بـ "مصدر واحد"؛ سواء كان مصنعاً كبيراً، أو مورداً نفطياً، أو سياحة موسمية. وحين يهتز هذا القطاع، تهتز معه حياة الناس.

الفارق أننا في مدننا العربية قد لا نرى مباني مهجورة كما في ديترويت، بل نرى ما هو أخطر: "التآكل الصامت". نراه في أحياء تتضخم سكانياً بينما تتقلص فيها الفرص، وفي شباب يمثلون غالبية المجتمع لكنهم يجدون أنفسهم على هامش التنمية. إن النزيف هنا داخلي؛ في مدرسة مزدحمة لا تقدم تعليماً، أو في عامل يفقد أمانه الوظيفي دون شبكة حماية.

فخ "التعافي" الزائف

تُقدم ديترويت اليوم كقصة "عودة". ناطحات سحاب وسط المدينة تلمع من جديد، واستثمارات ضخمة تتدفق. لكن السؤال يبقى: من الذي تعافى فعلاً؟.

الحقيقة أن غالبية السكان الأصليين الذين تجرعوا مرارة الانهيار لم يلمسوا ثمار هذا التعافي. إن التنمية التي تُجمل "المركز" وتتجاهل "الأطراف"، والتي تستثمر في "الواجهة" وتهمل "الإنسان"، تظل مشهداً جميلاً من الخارج، لكنه خاوٍ من المعنى.

الدرس الأخلاقي

المدن لا تُقاس بعدد ناطحات السحاب، بل بقدرتها على حماية ناسها وقت التحول. الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر، بل في:
1. تنويع الاقتصاد: لئلا ترهن المدينة مصيرها بمتغير واحد.

2. العدالة الاجتماعية: التي تمنع شعور "الترك" قبل أن يتحول إلى قطيعة.

3. الاستثمار في الإنسان: عبر تعليم مرن يواجه تقلبات الزمن.

ديترويت لم تفشل لأنها مدينة سيئة، بل لأنها تُركت وحيدة. وهذا الدرس يستحق أن يُقرأ عربياً بوعي؛ حتى لا نكتشف متأخرين أن بعض مدننا كانت تنزف بهدوء.. بينما كنا نحن منشغلين بتلميع الواجهات.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير