النسخة الكاملة

العزة يكتب: ليلة سقوط العالم في وحل السياسة الأمريكية

الإثنين-2026-01-05 11:00 am
جفرا نيوز -
د. محمد العزة

ضجّت وكالات الأنباء العالمية والقنوات الفضائية، خلال الأيام الماضية، بسيناريوهات وتسريبات التدخل الأمريكي في العاصمة الفنزويلية كراكاس، واختطاف رئيس الدولة الشرعي ،  جرى تسويقها إعلامياً في مشهد أقرب إلى الإخراج الهوليودي ، أعاد إلى الذاكرة ليلة سقوط بغداد في التاسع من نيسان عام 2003، حين دخلت القوات الأمريكية وحلفاؤها العاصمة العراقية، في مشهد اختُزل رمزياً بإسقاط تمثال الرئيس صدام حسين في ساحة الفردوس، بوصفه إعلاناً لنهاية مرحلة وبداية فوضى ممتدة .
المشاهد لم تُبثّ عبثاً، ولم تصاغ اعتباطاً، بل اعدت بعناية فائقة، بهدف إرسال رسالة سياسية واضحة مفادها: فرض عصا الطاعة على كل من يشقها أو يخرج عن الإرادة الأمريكية، وتكريس منطق القوة بوصفه المرجعية الوحيدة في العلاقات الدولية.

الإدارة الأمريكية الحالية، التي تنتمي إلى تيار اليمين المحافظ، تواصل إغراق العالم في وحل مستنقع السياسة الأحادية القطبية، مرسّخة نموذجاً دولياً يقوم على ازدواجية المعايير، وإنكار القوانين والمواثيق الدولية، وعدم الاعتراف بأي شرعية لا تمر عبر بوابة مصالحها الاستراتيجية.
لقد أثبتت الولايات المتحدة، مراراً، أنها ليست "سيدة الديمقراطية” الأولى ،  ولا "نصيرة الشعوب المظلومة”، كما يُروّج خطابها الرسمي، بل هي قوة عسكرية ضاربة، تختلق الذرائع، و تنسج أغطية زائفة من "الشرعية”، لتبرير التدخل، ونهب الثروات، وإعادة هندسة الدول المنكوبة بما يخدم مصالحها ومصالح حلفائها.
السياسة الأمريكية الحالية ، تعكس وجهاً خشناً لفكر رأسمالي ليبرالي جذوره استعمارية، يروّج لبضاعة ملوثة بعرق الفقراء، ودماء الأبرياء، ويستند في تمدده إلى شبكة من الأدوات الوظيفية والعملاء، ممن لا ينتمون إلى أوطانهم إلا بالاسم، وقد جاؤوا إلى السلطة أو الواجهة "فوق الدبابة”، وتحت عناوين متعددة.
تارة باسم الدين، وهو منهم براء، بعدما احتكروا الحقيقة الإلهية لأنفسهم، و أباحوا لأنفسهم ما حرّموه على غيرهم.
و تارة باسم الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية ، قبل أن تسقط الأقنعة، و يتكشف أنهم مجرد أدوات تزرع الفوضى ، ليكون حصادها التخلف، والرجعية، وتمزيق المجتمعات، وإنتاج جبهات داخلية منهكة، غارقة في العنف، والاقتتال، والفساد، والبلطجة المسلحة.

كل من لا يعرف قيمة تراب الوطن، لا ينتظر منه إخلاص، ولا يُؤمَن له موقف، إلا مقابل بثمن.

لطالما رفعت القوى الكبرى شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام فرض القانون الدولي، لكن السؤال الذي يتبادر في الذهن: لماذا لا تكبح ممارسات الكيان الصهيوني الوحشية بحق الشعب الفلسطيني؟ ولماذا يستمر الاحتلال منذ أكثر من تسعة وسبعين عاماً، دون رادع، أو محاسبة، أو حتى ضغط حقيقي لإيجاد حل عادل ، لوقف سياسات التهجير القسري و أطماع التوسع الاستيطاني؟

وإذا كانت هذه القوى تتغنى بإحلال السلام، فلماذا تلجأ دائماً إلى سيناريو إشعال الحروب و القتل و الدمار ،  واحتلال أراضي الغير، ثم تركها فريسة للانقسام و التقسيم ، للتطرف والإرهاب، والفساد الإداري؟
وهل يمكن لعاقل أن يتوقع أن تقود هذه السياسات إلى استقرار الدول أو ازدهار اقتصاداتها؟

العراق ما زال شاهداً حياً؛ فحين سقطت بغداد، كانت وزارة النفط أول ما جرى تأمينه، بينما تُركت مؤسسات الدولة الأخرى نهباً للفوضى والانهيار.

بعيداً عن تبادل الاتهامات، فإن كل من يوافق أو يبارك نهج السياسة الأمريكية الحالية، إنما يوافق ضمناً على تمددها داخل منطقتنا العربية، بما يخدم مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني، على حساب سيادة الدول و وحدة المجتمعات.

لقد نشطت في الآونة الأخيرة بعض المنصات الإعلامية بشكل محموم و مقصود، في إلصاق التهم بأوطانها و تخوينها ، والتقليل من جهودها و تضحياتها، في محاولة لتصويرها باعتبارها المسؤول الأول عن أزمات المنطقة، تمهيداً لتبرير التدخلات الأجنبية، عبر تضخيم أي حدث داخلي، وتجاهل الدور الحقيقي للقوى والتنظيمات التي تعيش على ديمومة الفوضى، وتحظى برعاية مباشرة من الخارج، سياسياً و إعلامياً و مالياً.

هؤلاء هم العلاقمة الجدد؛ أدوات مرحلية، أبواق وظيفية، استساغوا ثمن العبودية، والتقت مصالحهم مع "البرامكة الجدد”، فاختاروا التبعية للخارج، ورفضوا أن يكونوا سادة قرارهم داخل أوطانهم، أو أن يدفعوا ثمن الدفاع عنها، أياً كان هذا الثمن.
ولا شيء… لا شيء على الإطلاق، يمكن أن يعوض عن الوطن.
نحن اليوم أمام حقبة جديدة من النيوليبرال الديجيتال ، مترافقة مع تواطؤ المحافظين الجدد، ممن يرفعون شعارات الوطنية زيفاً، بينما تعود جذورهم إلى بدايات الألفية الجديدة، متزامنة مع صعود تيار المسيحية الصهيونية، الذي استخدم الخطاب الديني الطوباوي غطاءً سياسياً، فيما كان الهدف الحقيقي دائماً هو الاقتصاد، والهيمنة على السلطة والموارد.
وفي هذا السياق، رغم عظمة سور الصين ، الا أنها تعرضت  لغزوات في المئة عام الأولى بعد بنائه، لم يكن الغزاة يحتاجون لتسلق السور العالي، بل كانوا يدفعون رشوة للحراس عند بواباته، ويدخلون البلاد،
 أدرك الصينيون أن بناء سور قوي لا يكفي، بل يجب بناء الإنسان وتأمين ولاء حراسه، حيث أن خيانة الحارس تهدم أقوى الجدران .
 يختصر غسان كنفاني المعنى العميق للوطن، حين يقول :
"أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله!”
 فإن الوطن ليس شعاراً يُرفع، ولا مساحة جغرافية فحسب، بل موقف، و كتف نحتمي به، ومسؤولية لا تُباع، لأن من يخون الوطن، لن يجد تراباً يحنّ عليه، ولن يعرف الدفء… حتى بعد الموت.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير