جفرا نيوز -
بقلم خالد مفلح البداوي
في المجتمعات التي تُضيَّق فيها مساحات الرأي، لا يُقمع الإنسان جسدياً بقدر ما يُقمع عقله. فالقمع الفكري لا يحتاج دائماً إلى سجون أو أدوات مباشرة، بل يكفيه خطاب مُلتبس، أو قوانين قابلة للتأويل، أو منابر تُدار باتجاه واحد، حيث تُصنَّف الأسئلة على أنها تهديد، ويُنظر إلى الاختلاف كخروج عن السياق العام.
القمع الفكري يبدأ حين تُصادَر الأسئلة قبل أن تُطرَح، وحين يُطلَب من المواطن التصفيق لا الفهم. عندها يصبح التفكير عبئاً، والشك تهمة، والبحث عن الحقيقة مغامرة غير محسوبة. تتحول الثقافة إلى شعارات، والتعليم إلى تلقين، والإعلام إلى صدى يكرر ذاته، لا مساحة نقاش.
ولا يقتصر هذا المشهد على دول بعينها، فحتى في الأنظمة التي ترفع شعارات الحرية، يظهر القمع الفكري بأشكال أكثر نعومة. فعندما يُدار الخطاب السياسي الدولي بلغة التهديد، ويُطرح التلويح بالملاحقة أو الاعتقال كأداة في إدارة الخلافات السياسية، كما في الخطاب الأميركي تجاه فنزويلا خلال مرحلة دونالد ترامب، يتحول الرأي العام من مساحة وعي إلى ساحة توجيه. هنا لا تُفرض السيطرة بالقوة، بل تُبنى عبر رواية واحدة تُقدَّم بوصفها الحقيقة الكاملة.
الأخطر في القمع الفكري أنه لا يُمارَس دائماً بالمنع الصريح، بل بالتعويد التدريجي. يُعوَّد الناس على الصمت، وعلى تجنّب الأسئلة، وعلى ممارسة رقابة ذاتية تفوق أحياناً أي رقابة رسمية. ومع الوقت، يتراجع دور العقل النقدي، ويحل محله القبول بما يُقدَّم جاهزاً، دون مساءلة أو تمحيص.
في ظل هذا المناخ، تتراجع الإبداعية، وتُهمَّش الكفاءات، وتهاجر العقول بحثاً عن فضاءات أوسع. فالفكرة التي لا تجد بيئة آمنة للنقاش تذبل، والمجتمع الذي يخشى النقد يحكم على نفسه بالجمود. لا نهضة بلا حرية تفكير، ولا إصلاح دون الاعتراف بحق الاختلاف.
القمع الفكري لا يصنع استقراراً كما يُروَّج له، بل يؤجل الأزمات. فالأفكار لا تختفي بالقمع، بل تتراكم في الظل، وحين تُحرَم من الحوار، تظهر بطرق أكثر حدّة وأقل عقلانية.
احترام عقل الإنسان ليس شعاراً، بل ضرورة. والمجتمع الذي يثق بوعي أفراده، ويمنحهم حق السؤال والنقد، هو المجتمع القادر على تصحيح مساره بنفسه. أما الذي يُصادر الفكر، فيكسب الصمت مؤقتاً، ويخسر المستقبل