النسخة الكاملة

الامطار من الإستجابة الطارئة إلى الحلول المستدامة

الأحد-2026-01-04 10:20 am
جفرا نيوز -
ماجد احمد السيبيه


شهدت المملكة في الأيام الأخيرة هطولات مطرية مبشّرة، أعادت إلى الذاكرة الجماعية معنى "أمطار الخير” بعد عامٍ قاسٍ من الجفاف ونقص الموارد المائية. ووفق التنبؤات الجوية، فإن توالي المنخفضات الجوية خلال الفترة الحالية يفتح نافذة أمل حقيقية، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام اختبار جاهزية لا يقل أهمية عن كمية الهطول نفسها.

فالأردن، بوصفه من أفقر دول العالم مائيًا، لا يستطيع التعامل مع الأمطار كحدث موسمي عابر، بل كعنصر استراتيجي في معادلة الأمن المائي والاقتصادي. وتجربة العام الماضي، بما حملته من جفاف واضح وتأثيرات على الزراعة والمخزون الجوفي، أكدت أن إدارة الموارد المائية لم تعد ترفاً تخطيطياً ، بل ضرورة وطنية.

ومع ازدياد احتمالية الهطولات الغزيرة خلال فترات زمنية قصيرة، وهي سمة متكررة للتغير المناخي، تبرز خطورة السيول والفيضانات المفاجئة، لا سيما في المناطق الحضرية والأودية ومجاري السيول الطبيعية التي تعرضت للتعدي أو الإهمال. هنا لا تكمن المشكلة في كمية المياه بقدر ما تكمن في كيفية إدارتها وتصريفها والاستفادة منها دون خسائر بشرية أو مادية.

الجاهزية والاستعداد لمثل هذه الظروف لا ينبغي أن تُفهم فقط من زاوية الدفاع المدني أو البلديات، بل ضمن منظومة متكاملة تتشارك فيها الوزارات والمؤسسات المختلفة، من المياه والري، إلى الأشغال العامة، والزراعة، والإدارة المحلية. تكاتف الجهود المؤسسية، وتوحيد غرف العمليات، وتبادل البيانات بشكل فوري، بات شرطًا أساسيًا لتقليل المخاطر وتعظيم الفوائد.

وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص، ليس فقط كشريك تمويلي، بل كشريك ابتكاري. فالشراكة مع القطاع الخاص قادرة على تقديم حلول تقنية متقدمة في مجالات تصريف المياه، والبنية التحتية الذكية، وأنظمة الإنذار المبكر، إضافة إلى الاستثمار في مشاريع الحصاد المائي وتحسين كفاءتها.

إن الحديث عن مزيد من السدود لم يعد كافيًا بذاته، بل يجب أن يترافق مع تحسين جودة الحصاد المائي على المستويات كافة، من السدود الكبيرة إلى الحفائر الترابية، وحصاد مياه الأمطار على أسطح المباني، وتغذية الأحواض الجوفية بطرق مدروسة علميًا. الكفاءة هنا لا تقاس بعدد المشاريع، بل بقدرتها على تخزين المياه دون فاقد، وبأثرها طويل الأمد.

التغير المناخي يفرض علينا تغيير طريقة التفكير نفسها. فالعالم شهد خلال السنوات الأخيرة فيضانات مدمرة في دول متقدمة تمتلك بنى تحتية ضخمة، من أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة، وحتى دول الخليج. ما يؤكد أن التقدم التقني وحده لا يكفي دون تخطيط مرن واستشراف للمخاطر. تلك الدول أعادت تقييم شبكات التصريف، ووسعت المساحات الخضراء لامتصاص المياه، ودمجت الحلول الطبيعية مع الهندسية، في ما بات يُعرف بـ”البنية التحتية المرنة”.

من هنا، يصبح الابتعاد عن الحلول الآنية وردود الفعل المؤقتة ضرورة لا خيارًا. فترقيع الشوارع بعد كل منخفض، أو معالجة مواقع الخلل بعد وقوع الضرر، يستهلك الموارد دون معالجة جذور المشكلة. المطلوب هو التفكير بحلول ذات جدوى اقتصادية وبيئية، تُبنى على دراسات علمية، وتأخذ بعين الاعتبار السيناريوهات المناخية المستقبلية، لا أن تكتفي بمتوسطات الماضي.
تصريف المياه بشكل سليم، واحترام الطبيعة الجغرافية، ومنع التعدي على مجاري السيول، ليست إجراءات فنية فقط، بل قرارات سيادية تتعلق بحماية الأرواح والاستثمارات. وكل دينار يُنفق اليوم على التخطيط السليم، يوفر أضعافه غدًا في كلفة الأضرار والخسائر.

إن أمطار الخير التي نشهدها اليوم فرصة ثمينة، لكنها في الوقت ذاته تذكير صارخ بأن إدارة المياه لم تعد ملفًا موسميًا، بل مشروع دولة طويل النفس. وبين الجفاف والفيضانات، يقف الأردن أمام خيار واحد عقلاني: التخطيط الاستباقي، والشراكة الحقيقية، والحلول المستدامة التي ترى في كل قطرة ماء ثروة يجب حمايتها واستثمارها بحكمة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير