جفرا نيوز -
علي ابو حبلة
لم تكن العلاقة الأردنية–الفلسطينية يومًا علاقة تضامن موسمي أو مواقف عاطفية عابرة، بل هي علاقة تاريخ ومصير مشترك، تشكّلت في خندق واحد، وتكرّست عبر عقود من النضال السياسي والدبلوماسي والإنساني. فالأردن، قيادةً وشعبًا، لم ينظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها ملفًا خارجيًا، بل باعتبارها قضية مركزية تمسّ الأمن الوطني الأردني، واستقرار الإقليم، وجوهر العدالة في النظام الدولي.
ثوابت هاشمية لا تتبدل
يتميّز الموقف الأردني، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، بثباته ووضوحه في الدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتجسيد حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.
هذه المواقف ليست تكتيكية ولا خاضعة لتقلبات السياسة، بل تشكّل ثوابت راسخة في السياسة الأردنية، تستند إلى رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإلى التزام قانوني وأخلاقي لا يقبل المساومة أو الالتفاف.
رفض التهجير موقف سيادي وقانوني
جاء الرفض الأردني القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية موقفًا واضحًا لا لبس فيه، يستند إلى قواعد القانون الدولي الإنساني التي تُجرّم النقل القسري للسكان وتعدّه جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية.
يدرك الأردن أن التهجير ليس حلًا إنسانيًا كما يُسوّق له، بل مشروع تصفوي للقضية الفلسطينية، ومحاولة لإعادة إنتاج النكبة، ونقل كلفة الاحتلال إلى دول الجوار. من هنا كان الموقف الأردني حاسمًا في رفض أي حلول تُفرض على حساب الأرض والإنسان والحق التاريخي للشعب الفلسطيني.
الأونروا الدفاع عن حق العودة
يشكّل الدعم الأردني المستمر لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أحد أهم أركان الموقف السياسي الأردني. فالدفاع عن استمرار الوكالة وتمديد ولايتها لا يقتصر على البعد الإغاثي، بل هو دفاع مباشر عن قضية اللاجئين وحق العودة، ورفض لمحاولات شطب هذا الملف من مسار الحل النهائي.
وترحيب الأردن بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة تمديد ولاية الأونروا يعكس إدراكًا سياسيًا وقانونيًا عميقًا بخطورة استهداف الوكالة، باعتبارها الشاهد الدولي على جريمة اللجوء الفلسطيني، وأحد أعمدة الشرعية الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
غزة من الموقف السياسي إلى الفعل الإنساني
خلال الحرب على قطاع غزة، لم يكتفِ الأردن بالمواقف السياسية والدبلوماسية، بل ترجم موقفه إلى فعل إنساني مباشر، عبر الجسور الجوية والبرية لإيصال المساعدات، وتشغيل المستشفى الميداني الأردني، وتقديم الدعم الغذائي والطبي، ومبادرات إنسانية نوعية في ظل حصار خانق وانهيار شبه كامل للمنظومة الإنسانية في القطاع.
هذه الجهود عكست التزامًا أردنيًا عمليًا بحماية المدنيين الفلسطينيين، ورفض تحويل المعاناة الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسية.
القدس والمقدسات وصاية تحمي الهوية
تشكل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس ركيزة أساسية في الدور الأردني تجاه القضية
الفلسطينية. فهي وصاية قانونية وتاريخية تحمي الوضع القائم، وتتصدى لمحاولات التهويد وتغيير هوية المدينة، وتحفظ الطابع الديني والحضاري للقدس، باعتبارها مدينة سلام لا ساحة صراع ديني.
وحدة الخندق الأردني–الفلسطيني
ما يمنح الموقف الأردني قوته ومصداقيته هو التلاحم العميق بين الموقف الرسمي والإرادة الشعبية، وبين الأردنيين والفلسطينيين، الذين كانوا وما زالوا في خندق واحد دفاعًا عن الحق والعدالة. فالدعم الأردني لفلسطين لم يكن يومًا قرار دولة فقط، بل تعبيرًا عن وجدان شعبي يرى في فلسطين قضية كرامة وهوية.
خلاصة
في زمن تتراجع فيه المعايير الدولية، ويغيب فيه الالتزام بتطبيق القانون الدولي، يبرز الأردن كدولة تحافظ على ثبات الموقف، وتربط بين السياسة والأخلاق، وبين المصالح الوطنية والواجب القومي.
إن الثوابت الهاشمية في دعم القضية الفلسطينية ليست عبئًا على السياسة الأردنية، بل مصدر قوة وشرعية، ورسالة واضحة بأن الأردن سيبقى الحاضن الأمين، والسند الثابت، والسدّ المنيع في الدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، حتى نيل حريته وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.