جفرا نيوز -
ماجد احمد السيبيه
في الأردن، ومع إطلاق خريطة تحديث القطاع العام 2023-2033، يبرز تحدٍّ جوهري يتمثل في كيفية ضمان تحويل الخطط الحكومية من مجرد وثائق مكتوبة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وهذا السؤال يقودنا إلى محور بالغ الأهمية وهو ضرورة مراقبة نتائج التخطيط وتفعيل أدوات التحسين المستمر وإدارة الأولويات عبر مستويات التخطيط المختلفة سواء كانت قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل.
تكمن أهمية مراقبة الأداء والنتائج في ضمان عدم بقاء الأهداف الاستراتيجية مجرد شعارات عامة، بل يجب أن تقترن بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، وقد عملت وحدة إدارة تنفيذ البرنامج PMDU على تطوير نظام متابعة الأداء الحكومي والإنجاز، كما تم في إطار الخطة التنفيذية لرؤية التحديث اعتماد آلية رقمنة تشمل نظاماً إلكترونياً لمراقبة الأداء يسمح بإرسال تقارير دورية من الجهات الحكومية حول تنفيذ المبادرات والأولويات، إلى جانب ذلك تم إطلاق برنامج التخطيط الاستراتيجي الشامل بمشاركة 170 موظفاً من 79 جهة حكومية بهدف تطوير قدراتهم في التخطيط الاستراتيجي والمراقبة والتقييم، مما يعكس حرص الحكومة على بناء قدرات فعلية وليس فقط ورقية، وتكمن أهمية هذه الأدوات في تمكينها من تقويم عملية التنفيذ بشكل منتظم وليس فقط عبر المراجعة السنوية، مما يسمح باكتشاف المشكلات في الوقت الحقيقي وتصحيح المسار بما يحقق التحسين المستمر.
يؤدي الخلط بين أنواع التخطيط المختلفة إلى إضعاف الأداء الحكومي، حيث تم تحديد 51 أولوية للعام 2023 في خريطة التحديث، لكن الخطر يكمن في معاملة بعض هذه الأولويات كخطط تشغيلية قصيرة الأجل بينما يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد أو خطة متوسطة الأجل، وينتج عن هذا الخلط عدة تحديات منها التوزيع غير المتوازن للموارد حيث تركز الجهات على التنفيذ السريع دون التأكد من استدامة النتائج، وضعف الاستمرارية في المشاريع التي تنتهي بسرعة دون تقييم كاف لمدى نجاحها، وعدم الربط الفعال بين الرؤية الوطنية والاستراتيجية القطاعية حيث تضع خطة التحديث 33 هدفاً استراتيجياً موزعاً على محاور مختلفة لكن دون ترابط حقيقي مع خطط التنفيذ اليومي والسنوي.
يعد التحسين المستمر ضرورة حتمية لتحقيق الفعالية في القطاع العام وليس ترفاً إدارياً، ويمكن تحقيق ذلك من خلال المراجعات الدورية للأداء عبر نظام PMDU وعقد عروض أداء منتظمة لمراجعة الإنجازات وتعديل الخطط عند الحاجة، إلى جانب إنشاء فرق متخصصة داخل الوزارات مهمتها تحليل نتائج التنفيذ واقتراح التحسينات، كما أنه يجب اشراك المواطنين عبر منصات التغذية الراجعة على سبيل المثال "We Serve You" و"Evaluate Your Experience" تشكل ركيزة أساسية في قياس مستوى الخدمات، بالإضافة إلى بناء القدرات من خلال برامج التدريب المستمرة.
رغم هذه الجهود تبقى هناك فجوات وتحديات حقيقية تواجه التخطيط الحكومي، حيث يشير بعض المحللين إلى أن كثيراً من الاستراتيجيات تبقى شكلية وغير مطبقة فعلياً على أرض الواقع، كما تشير بيانات البنك الدولي إلى تراجع كفاءة القطاع الحكومي الأردني مما يعكس ضعف الربط بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ، ومن جهة الحوكمة تظهر التقارير ضعفاً في تحديد مؤشرات الأداء الموحدة وعدم وجود مرجعية مركزية قوية للمتابعة والتقييم.
لتعزيز الأداء الحكومي يمكن تقديم عدة توصيات عملية تشمل مأسسة نظام المراقبة والتقييم من خلال تعزيز صلاحيات وحدة PMDU وتطوير نظام مؤشرات أداء موحدة مرتبطة بالأولويات الاستراتيجية وخطط التشغيل، وتمكين التحسين المستمر عبر إنشاء فرق تحسين داخل كل وزارة واعتماد برامج تدريبية للموظفين وإشراك المواطنين في تقييم الأداء، بالإضافة إلى توحيد الربط بين التخطيط التشغيلي والاستراتيجي من خلال مراجعة أولويات خريطة التحديث للتأكد من أنها جزء من رؤية استراتيجية مستدامة وربط الميزانيات السنوية بالمخرجات الاستراتيجية وإجراء تقييم دوري لخريطة التحديث كل ثلاث سنوات.
في الختام، يمكن القول إن الإدارة بالأهداف في القطاع الحكومي الأردني ليست مجرد ترجمة لرؤية نظرية، بل تحتاج إلى مراقبة فعالة وتقييمات مستمرة وقدرة حقيقية على التحسين، فبدون هذه الآليات يبقى التخطيط مجرد مستند جميل على الرف بدلاً من أن يكون أداة فاعلة لتحويل الأهداف الوطنية إلى واقع ملموس، ولكي تنجح خارطة التحديث 2023-2033 يجب على الحكومة ومؤسساتها تحويل المراقبة من شعار إلى ممارسة يومية، وبناء نظام يربط بوضوح بين الخطط الاستراتيجية والمتوسطة والقصيرة الأجل، وهذا هو المفتاح الحقيقي لتحويل الرؤية إلى أداء فعلي وتحقيق نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.