جفرا نيوز -
رامي رحاب العزة
"لم يكن صوت الأردن تعليقًا على الحرب، بل القرار الذي غيّر مسارها.”
منذ اللحظة الأولى لاشتعال الحرب في غزة، لم يكن الملك عبدالله الثاني يراقب من بعيد، بل كان في قلب المواجهة الإنسانية والسياسية. حين صمتت العواصم وتردّد العالم، كان صوته وحده يعلو في وجه العاصفة، يرسم الخط الأحمر بوضوح: لا تهجير، لا مساومة، ولا كرامة تُداس على تراب فلسطين.
وقبل اتفاق شرم الشيخ بأيام، أجرى الملك اتصالًا حاسمًا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وضع خلاله حدود الموقف الأردني بلغة القادة لا الدبلوماسيين، مؤكدًا أن وقف النار لا يُكتب بالحبر، بل بالعدل وإنقاذ الأبرياء. ومنذ تلك اللحظة، تحرك الأردن بكل ثقله وشجاعته، اخترق الحصار بطائرات الجيش العربي التي ألقت الدواء فوق الجراح، وأرسلت الحياة إلى غزة حين خذلها العالم، فيما كانت شاحنات المساعدات الأردنية تسابق الدخان لتؤكد أن الرحمة لا تعرف حدودًا.
وفي عمّان، فُتحت المستشفيات واستقبل الأردن الجرحى والمصابين من غزة كما يُستقبل الأهل في الدار، بأيدٍ أردنية تُضمد الجراح، وقلوبٍ لا تسأل عن اسمٍ أو انتماء. وفي كل ذلك، كان ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يُجسّد الموقف الأردني الشاب، يخاطب العالم بجرأة، يحرّك الضمائر، ويُعيد للسياسة نبلها الإنساني.
لكن الموقف الأردني لم يتوقف عند حدود الدعم؛ بل أشعل الضمير العالمي. بصوت الملك وفعله، انتفضت الشعوب من واشنطن إلى باريس، ومن مدريد إلى سيدني، خرج الملايين يهتفون باسم غزة ويطالبون بوقف الحرب، وتحوّل الموقف الأردني إلى صرخة عدالة عبر القارات. وبفعل هذا الضغط الأخلاقي الذي فجّره الأردن، بدأت دول كبرى تُغيّر بوصلتها، فشهدنا لأول مرة اعترافات أوروبية بدولة فلسطين، وعودة الحديث عن الحقوق لا التسويات.
ومع كل ذلك، تعرض الأردن لضغوط هائلة ومحاولات خبيثة للعبث بأمنه واستقراره، من قوى أرادت معاقبته على ثباته، لكنه خرج من العاصفة أكثر صلابة، لأن جذوره أعمق من الرياح، وولاءه للعرش والوطن لا يُشترى.
وفي قمة شرم الشيخ، حين وقف الملك بين القادة وترامب أمام وثيقة وقف النار، كان العالم كله يدرك أن هذا السلام لم يُصنع في القاعات المغلقة، بل وُلد من إرادة ملكٍ لا يساوم، ووطنٍ لا ينكسر، وشعبٍ حمل ضمير الأمة وأيقظ ضمير العالم.