النسخة الكاملة

جرار يكتب: «دوغما» الخطابات والتصريحات المهرجانية!

الأربعاء-2025-10-15 09:58 am
جفرا نيوز -
بشار جرار

قليلا ما يخالف المشرعون الأمريكيون حزبهم في الكونغرس خلال عملية التصويت، خاصة في مشاريع القوانين الفارقة انتخابيا على المستوى الوطني أو الولائي. حتى المقاطعات سيما في الولايات المتأرجحة، يحسب الحساب لناخبيها من قبل فريق مختص من الباحثين والمساعدين العاملين لصالح عضو في مجلس الشيوخ أو النواب.

عضوة مجلس الشيوخ المخضرمة، الراحلة دَيان فاينشتاين، إحدى رموز المؤسسة التقليدية للحزب الديموقراطي، وخلال سيل من الأسئلة التحقيقية التي واجهت مرشحة ترمب في أواخر ولايته الأولى، إيمي كوني باريت، المعروفة اختصارا ب «إيه سي بي»، لمنصب مدى الحياة، هو عضوية المحكمة العليا في الولايات المتحدة، أعلى هيئة للسلطات التشريعية في الخمسين ولاية، سجلت موقفا معياريا، في اعتبارات التثبيت للمناصب القيادية الحساسة.

لم يكن أي من المشرعين الديموقراطيين، ومن بينهم السناتورة فاينشتاين، في حيرة من أمر مرشحة ترمب، من حيث كونها قاضية مشهود لها بالكفاءة والأداء الرفيع والنزاهة، لكن ما عبرت عنه كانت مخاوف أو هواجس مما وصفته «الدوغما» المسموعة بصوت عالٍ في إجابات «إيه سي بي» خلال جلسة الاستماع التي انتهت بالنجاح، بعد أن حظيت بمقعد ضمن غالبية الجمهوريين والمحافظين، بستة مقاعد مقابل ثلاثة، للديموقراطيين و»الليبراليين» أو «التقدميين».

الخلاصة أو الدرس الذي طرحته فاينشتاين بقوه يتمثل بأن القاضي، خاصة في المحكمة العليا، ينبغي أن يكون كما يجمع الطرفان من الحزبين علانية، أن يكون قارئا للدستور الأمريكي وقاضيا يحكم بهديه، لا قيّما على تفسيره أو تبريره للرأي العام أو من رشحه للمنصب وهو في هذه الحال رئيس البلاد. لذلك كانت حكمة الآباء المؤسسين لبلاد العم سام أن يكون منصب قضاة المحكمة العليا مدى الحياة، تحصينا لهم من تأثير السلطة وحتى الشعب نفسه، وخاصة الصحافة التي نصّبت نفسها «سلطة رابعة»!

تلك «الدوغما»، سياسية كانت أم دينية خطر في الفضاء العام وطنيا، فما بالك إن كان الأمر دوليا، وسيما في ساحات تعلمُ الجماهير المعنية، اصطفاف وتحالفات أطرفها.

منذ عودة ترمب إلى سدة الرئاسة، ومن خلال العديد من اللقاءات التي عقدت في البيت الأبيض أو خارج أمريكا وحتى على متن الطائرة الرئاسية، ارتفع صوت تلك «الدوغما» في تصريحات ترمب، في مواقف بدت محرجة حتى لأقرب مؤيديه وحلفائه، وقد تصير مكلفة داخليا وخارجيا. بلغ الأمر حد مقارنة مفاوضة الديموقراطيين حول شروط إنهاء «الإغلاق الحكومي» وترحيل الخلاف على ما عرف بخطة سلفه الأسبق «أوباما كير» الصحية، بالتفاوض مع حماس وإسرائيل لإنهاء حرب غزة!

خطاب ترمب في الكنيست الإثنين، تحول إلى خطاب مهرجاني وكأنه حملة انتخابية لعامي 2026 و2028. على أهمية ما في الخطاب من مواقف ورؤى، حرص ترمب إضافة لما تم سرده في نص الخطاب الخروج عن النص واسترجاع ذكريات حملاته الانتخابية الثلاثة فيما بدى مقلقا لمحطته المقبلة في اليوم ذاته وليس «اليوم التالي» فقط! انتقل ذلك إلى شرم الشيخ أيضا في تصريحات أدلى بها إلى جانب مضيفه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وكذلك خلال تعليقات المصافحة مع بعض القادة ورؤساء الوفود، قبل وبعد حفل التوقيع على اتفاق إنهاء حرب غزة وصنع السلام في الشرق الأوسط.

«الدوغما» طغت على حملات الصفقات السياسية الانتخابية متعددة الساحات، بعد أن ابتليت المنطقة والعالم كله بالمحور المهزوم الذي رفع شعار «وحدة الساحات»!  تلك مسألة في غاية الخطورة، ما لم يتمكن جميع المنتشين بما تحقق عسكريا على «ثمان جبهات»، والمزهوّين بما يمكن تحقيقه اقتصاديا في «مجلس السلام»، ما لم يتمكنوا من فصل حملات الانتخابات وصفقاتها السياسية والاقتصادية والتنموية والعقارية عن أجنداتهم الحزبية الداخلية، سيما أمريكيا وإسرائيليا وفلسطينيا. بديموقراطية أو بدونها، السلطات محكومة بالتداول، الأسماء ستتغير، لكن العناوين الدائمة الباقية هي الجغرافيا والتاريخ كما يعيشه الإنسان في هذا الجزء من المعمورة.

كل المحبة والتقدير لتلك الشاشات الوطنية الإنسانية التي ما غابت عنها صور الإنسان على جانبي الحدود أثناء بث تلك الخطابات والتصريحات المهرجانية. قلّبتُ القنوات، عربية وأجنبية من عمّان إلى واشنطن، وجُلت عبر «الريموت كنترول» على ما بينها من عواصم، دموع فرح من تم لم شملهم بأسرهم الفلسطينية والإسرائيلية، كانت الأكثر إنباء وبلاغة من الخطابات والتصريحات. علّ ما لم يتم كشفه من الملاحق السرية إن وجدت، تراعي الأولوية الثانية بعد الصفقة التبادلية، وهي إعادة إعمار غزة المنكوبة، وتضميد جروح وجراح أهلها، ووأد شر فتنة الإعدامات الميدانية في القطاع بلا محاكمات باسم «الردع»! وإلا كانت ندبة في جبين «اليوم التالي» أو وصمة في وجهه، بأن ثمة من ارتضى لنفسه الدور القذر في التهجير والقضاء على حل الدولتين مرة أخرى، لست أدري عددها، وقد قيل في هذا الطرف أو ذاك بأنه «لا يضيع فرصة بأن يضيع الفرصة تلو الأخرى».

ليتهم -المحتفلون الحاضرون والغائبون عن الكنيست وقمة شرم الشيخ، ليتهم يستمعون إلى تحذير جلالة الملك عبدالله الثاني في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أجراها قبل بدء أعمال القمة، تحذيره «من أن الشرق الأوسط سيواجه مصيرا مظلما ما لم تستأنف عملية سلام تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية». «إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى جانب إسرائيل هو الحل الوحيد» كما أكد جلالته يرعاه الله.

تحذير سيدنا أطلقه قبل شهر من كارثة السابع من أكتوبر 2023 من على منبر الأمم المتحدة. صُنع السلام أجلّ وأهم وأصعب من وقف الحرب. وصنّاعه الحقيقيون لا ينتظرون جائزة سلام، لم تسلم هي الأخرى من الدعاية قبل وبعد «اليوم التالي»!    

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير