النسخة الكاملة

نتنياهو بين جموح القوة وصمت العالم: العرب إلى أين؟

الأحد-2025-09-14 09:48 am
جفرا نيوز -
ماجد احمد السيبيه

من يتابع مسار الأحداث في المنطقة، يدرك أن بنيامين نتنياهو لا يتحرك بعشوائية، بل يستند إلى خلفية سياسية ودينية مشبعة بعقيدة الاستيطان وفرض الأمر الواقع. سياساته مبنية على رؤية توراتية ـ سياسية تخلط بين العقيدة والهيمنة، وتدفعه نحو التوسع مهما كان الثمن، في ظل غطاء أميركي وصمت دولي يثير الريبة.

الاستيطان لم يعد مجرد مشروع بعيد المدى، بل أصبح سياسة يومية ممنهجة. الحرب الأخيرة وما رافقها من إبادة وتهجير قسري ليست سوى حلقة ضمن مخطط أكبر، يهدف إلى فرض واقع جديد على الأرض وإرغام الفلسطينيين على الاستسلام أو الرحيل. هذه الشراسة غير المسبوقة منذ النكسة تؤكد أن ما يحدث ليس وليد لحظة، بل نتيجة إعداد طويل المدى.

الشرعية الدولية تبدو غائبة، بل ميتة سريريًا. فكم من قرارات صدرت ضد الاحتلال الإسرائيلي ولم تجد طريقها إلى التنفيذ؟ منذ عام 1948 تعرضت معظم الدول العربية لأشكال مختلفة من العدوان الإسرائيلي، من مصر وسوريا ولبنان إلى الأردن والعراق وتونس والسودان. واليوم، ورغم هذه التجربة المريرة، لا تزال الاستعدادات العربية أقل من مستوى التحدي.

محاولة اغتيال وفد حماس المفاوض في قطر، التي تستضيفهم بتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مثّلت رسالة صارخة، ليس فقط للدوحة، بل لكل العرب: حتى الحلفاء الذين يظنون أن واشنطن قادرة على حمايتهم يكتشفون أن الحسابات الأميركية لا تتجاوز مصالحها البحتة. فما قيمة قاعدة عسكرية أميركية ضخمة في الخليج إذا كانت عاجزة عن ردع اعتداء مباشر على حليف استراتيجي؟ الرسالة التي يجب أن تصل إلى قطر والخليج وكل المنطقة أن الرهان على واشنطن رهان خاسر إذا لم يقترن بقدرة ذاتية عربية على الردع.

أما دول الطوق، وعلى رأسها الأردن ومصر، فهي تتحمل العبء الأكبر في مواجهة إسرائيل. ومع خروج سوريا ولبنان نظريًا من المعادلة، يبقى السؤال: هل سيدعم الخليج هذه الدول ماديًا وعسكريًا لتبقى صامدة في وجه أطماع نتنياهو؟ ومن هو الضامن الحقيقي للسلام المزعوم؟ هل هي الولايات المتحدة التي ترعى الاحتلال أم العرب أنفسهم إذا ما توحدت كلمتهم؟

المستقبل لا يمكن التنبؤ به بدقة، لكن الثابت أن استمرار التشرذم العربي سيمنح نتنياهو مزيدًا من الوقت ليعيد رسم الخريطة وفق أهوائه. فهل يستسلم العرب أمام جموحه، أم تكون لهم كلمة أخرى تعيد التوازن وتفرض واقعًا جديدًا؟

العرب اليوم أمام خيار تاريخي: إما البقاء أسرى ردود الأفعال، أو الانتقال إلى موقع الفعل وصناعة القرار. اللحظة حاسمة، والرسالة واضحة: من لم يكن مستعدًا اليوم سيدفع ثمن الغد مضاعفًا. المطلوب أن يدرك العرب، وفي مقدمتهم الأردن ومصر ودول الخليج، أن أمنهم لن يُحمى إلا بتسليح واعٍ، وتكامل استراتيجي، وتحالفات جديدة تقوم على المصالح والقدرة.

إن تعزيز الأمن العربي المشترك وتفعيل منظومة دفاع جماعي لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية تضمن البقاء. فإما أن يتحرك العرب نحو صياغة مشروع أمني مشترك يحميهم جميعًا، أو يبقوا فرادى في مواجهة أطماع لا تعرف حدودًا. فهل نصنع التاريخ بإرادتنا، أم نُترك مرة أخرى ضحايا لمخططات الآخرين؟
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير