رغم موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، ومناخها المعتدل، وبيئتها البحرية الفريدة، إلا أنها لم تظفر بعد بالمكانة التي تليق بها كمركز اقتصادي وسياحي عالمي.
وفي ظل رؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقها جلالة الملك عبد الله الثاني، والتي تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مستدام وتنويع مصادر الدخل، أصبحت العقبة محورًا رئيسيًا لهذه الرؤية.
إلا أنها لا تزال تواجه تحديات كبيرة تعيق تحقيق أهدافها الطموحة، والرؤية الملكية التي اطلقتها منطقة اقتصادية منذ سنين ، أبرزها البيروقراطية والتحديات الإدارية التي تعيق تدفق الاستثمارات وتحد من قدرة المستثمرين على تنفيذ مشاريع نوعية.
أن الوضع الخاص للعقبة كمنطقة اقتصادية خاصة لم يتم استغلاله بالشكل الأمثل،ما أدى إلى محدودية المشاريع الضخمة القادرة على إحداث نقلة نوعية.
تعقيد الإجراءات الحكومية جعل البيئة الاستثمارية في العقبة أقل جاذبية مقارنة بمدن إقليمية أخرى مثل دبي وشرم الشيخ.
تعد السياحة البحرية أحد أهم نقاط القوة الطبيعية للعقبة، ومع ذلك تعاني المدينة من نقص الخدمات الفاخرة والتسويق الفعال، مما يحد من استقطاب السياح ذوي الإنفاق العالي. كما أن غياب الاستثمارات النوعية في المنتجعات العالمية والمشاريع الترفيهية الضخمة دفع الاستثمار للتركيز في الفنادق والمطاعم التقليدية، دون وجود مشاريع ضخمة مثل المدن الترفيهية والمراكز التجارية الفاخرة التي تعزز من مكانة العقبة الإقليمية والعالمية.
لا تزال البنى التحتية السياحية محدودة، حيث تعاني وسائل النقل العام من ضعف يعيق سهولة التنقل بين المواقع السياحية داخل المدينة وخارجها.
محليًا، لا تزال العقبة مرتبطة بصورة نمطية كمدينة مشغلة للعمالة المتواضعه ، من قبل محافظات الجنوب وفي المقابل تعتبر ايضا مدينة بحرية ذات أسعار مرتفعة جدا لمن أراد زيارتها، مما يدفع الكثير من الأردنيين لمقارنتها بوجهات سياحية خارجية مثل شرم الشيخ وتركيا، التي تقدم خدمات أكثر بتكلفة أقل.
ان الأوان ان تتغير هذه النظرة من خلال تقديم تجربة سياحية متكاملة تربط العقبة بوادي رم والبترا والمواقع السياحية الأخرى في الجنوب، ما يرفع من معدل مكوث السائح داخل الأردن ويزيد من إنفاقه.
ان إدماج العقبة في سلسلة سياحية متكاملة يمكن أن يسهم في تحسين التجربة السياحية وتعزيز استقطاب السياح لفترات أطول.
ورغم وجود جامعات حكومية وخاصة في العقبة، إلا أنها لم ترتقَ بعد إلى مستوى استقطاب طلبة من الدول المجاورة أو حتى داخل الأردن، ويرجع ذلك إلى ضعف التفاعل بين الجامعات والبيئة المحلية، حيث لا ينعكس البعد الأكاديمي والبحثي والعلمي على تطوير المدينة اقتصاديًا وسياحيًا. كما أن الحملات الإعلامية التي تروج للعقبة لا تزال بدائية ولا تعكس الطموح الحقيقي للمدينة، إذ لا يوجد تسويق حقيقي عبر وسائل الإعلام الدولية، وتقتصر التغطية الإعلامية المحلية على محتوى تقليدي لا يواكب التطورات العالمية في مجال السياحة والترويج، وما زلنا نكرر الأغنية الجميلة "أنا من العقبة يا عيوني… وبس" .
إذا أُريد للعقبة ان تحقق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي، فلا بد من تبني استراتيجيات شاملة تشمل جذب مطورين عالميين متخصصين في تطوير القطاع السياحي بكل أبعاده، بدلًا من الاعتماد على خبرات محلية محدودة تبرر التراجع بالأوضاع الإقليمية أو غياب المستثمرين او عملنا "اللي علينا"!
يحسب للحكومة اليوم قراراتها التحفيزية لجذب الاستثمارات الضخمة عبر تقديم تسهيلات ضريبية ومزايا استثمارية حكومية فعلية لجذب الشركات العالمية وهي خطوة مقدرة وضرورية لإحداث تحول حقيقي في المدينة، ولكن هذا لم يوءدي الغرض لضعف الإدارة المحلية في بناء هيكلية استقطاب الحركة الاقتصادية بكامل جوانبها كما يجب!
ان إعادة تعريف العقبة كوجهة سياحية عالمية يجب أن يكون عبر التميز في الغوص، والسياحة البيئية، والفعاليات الكبرى، والسياحة العلاجية، إلى جانب تنظيم مهرجانات وفعاليات دولية واستضافة بطولات رياضية كبرى لجذب السياح لفترات أطول ما يتطلب فوراً تحسين البنية التحتية والنقل وربط العقبة بمختلف المواقع السياحية ما يسهم في تعزيز جاذبيتها كوجهة متكاملة، وما يرفع من معدل إنفاق السياح وزيادة فترة مكوثهم في المملكة.
ولعل التحول الرقمي في التسويق السياحي باستخدام أحدث أدوات التسويق الإلكتروني، يعد الان عنصرًا أساسيًا وضرورياً في تحقيق هذه الاستراتيجية، حيث يمكن من خلاله استهداف السياح من مختلف أنحاء العالم وتعريفهم بجاذبية العقبة كوجهة سياحية متكاملة.
ما تحتاجه العقبة اليوم ليس فقط تحسينات طفيفة و( ترقيع) في البنية التحتية، بل إعادة صياغة استراتيجية جراحية لتطويرها بالكامل، بحيث تصبح جزءًا من تجربة سياحية متكاملة توفر للزوار خيارات متعددة، وتضمن استفادة جميع القطاعات الاقتصادية منها. هذه القفزة النوعية يتطلب تحقيقها خبرة وإدارة ، وإرادة سياسية، واستثمارات جريئة تتحدى الروتين والتباطؤ الإداري.
العقبة قادرة اليوم أن تكون وجهة عالمية رائدة، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تم تبني رؤية حديثة وشاملة لإدارتها وتنميتها.