هذا الاستخلاص السياسي قد يكون صادماً لكثيرين، لكن هذه هي الحقيقة. أما أسبابها فهي متعددة متتالية، كما أنها تأخذ صفة المتوالية الحسابية؛ ابدأ بعرض هذه الأسباب:
أولاً: فإن صفقات تبادل الأسرى والسجناء ما بين حماس وإسرائيل قد مهدت الطريق لحركة حماس كي تتوسع أكثر مما مضى في الضفة الغربية.
فبكل تأكيد أن المئات من الأسرى الفلسطينيين الذين عادوا إلى بيوتهم في الضفة الغربية هم مع عائلتهم يدينون بالفضل إلى حركة حماس التي كانت السبب في خروجهم من السجن.
ثانياً: فإن قيام الولايات المتحدة الأمريكية بوقف تمويل الأجهزة الأمنية الفلسطينية يعني أن جدار الممانعة الأمني أمام تمدد حماس داخل الضفة الغربية سيزول تدريجياً.
ثالثاً: فإن العبارة التي قالها الرئيس الأمريكي، كشفت السر وراء مخططه السابق في التهجير القسري لأهالي غزة.
قال الرئيس الأمريكي قبل يومين عن حركة حماس : (أنه يصعب القضاء عليهم، أنهم متداخلون كثيراً بين السكان)، من الأهمية التوقف قليلاً على هذه العبارة، فهي تؤكد أن الدافع وراء فكرة تهجير سكان غزة هي من أجل القضاء على حماس عندما تصبح غزة بلا سكان.
لذلك استخدم الرئيس الأمريكي كل الحجج التي قد تساعد على ذلك، من حيث قوله فيما مضى أنها مكان لم يعد يصلح للحياة.
عزز ذلك نشر تقارير علمية من مصادر أمريكية وغيرها تؤكد أن الإشعاعات الصادرة عن القنابل التي استخدمتها إسرائيل في حربها على حماس قد استقرت في الأرض والجو، مما يعني توقع إصابة السكان بأمراض كثيرة جداً.
لكن كما قلنا، فقد تراجع ترامب عن خطة التهجير عندما أدرك أنه يستحيل أن يتم ذلك بشكل مباشر كحالة تهجير جماعي قسري. حيث كان الرفض فلسطينياً وأردنياً ومصرياً، ومن وراء هؤلاء الثلاثة كانت الدول العربية وصولاً إلى دول العالم.
بما في ذلك داخل الولايات المتحدة الأمريكية ذلك أن 25% من الأمريكيين هم فقط من يؤيد ترامب في خططه السابقة تجاه غزة بحسب استطلاع للرأي العام أجرته رويترز.
رابعاً: المطلب الأمريكي الأخير ، والذي هو مطلب إسرائيلي في ذات الوقت والمتمثل في إقصاء حركة حماس من الاستمرار في حكم غزة للحيلولة دون تكرار تجربة طوفان الأقصى مرة أخرى.
هذا المطلب وجد قبولاً عربياً على عكس خطة التهجير القسري لأهالي غزة.
ترجمة لذلك تحدث العرب عن إدارة جديدة لقطاع غزة تتولى عملية إعادة الإعمار بدون حركة حماس.
لكن ماذا كان موقف حركة حماس من هذا التوجه، لقد دخلت حماس كتكتيك سياسي في لعبة المد والجزر مع الدول العربية تجاه هذا المطلب .
ساعة قيل إنها قبلت، وفي ساعة أخرى قبل أنها رفضت ذلك، وربما أن القرار الأخير هو الأدق، والسبب هو حفاظ حركة حماس على أسلحتها وفوق ذلك مسألة أسرار الأنفاق.
ساعد حماس على ذلك القرار أنه لم يكن هناك تفاعلاً عربياً مؤيداً بقوة لخيار أن تعود السلطة الوطنية الفلسطينية إلى مد سلطتها إلى غزة، فهي أضعف من القيام بهذا الدور أمام قوة كبيرة هي حماس.
خامساً: ما يتم في الضفة الغربية من عملية اعتداء على أهالي الضفة الغربية مع القيام بتفريغ سكاني تدريجي لمخيمات اللاجئين في الضفة الغربية .
هو بكل تأكيد يوفر الظروف الموضوعية لحركة حماس كي تقوم بالرد نيابة عن الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل، وبالتالي عودة حماس إلى الواجهة، ليس في غزة فقط وإنما في الضفة الغربية.
نعم أن الدول العربية بقيادة الأردن ومصر قد حققت عدة نجاحات متواصلة في حل أزمة غزة، وخصوصاً في رفض التهجير القسري ثم استمرار إيصال المساعدات إلى غزة لإعادة الإعمار. مع ذلك، يبقى التحدي الأخير وهو التعامل مع المطلب الأمريكي والإسرائيلي لإقصاء حركة حماس من حكم غزة. نعم أن هنالك قناعة عربية بذلك لأسباب مختلفة، إلا أن إقصاء حماس داخل غزة يعتبر مستحيلاً بسبب تواجدها الثابت في غزة وتوسعها في الضفة الغربية. لذلك، تقتضي الواقعية السياسية العمل بأحد المقترحين الآتيين:
المقترح الأول: تمثيل حركة حماس في الحكومة الانتقالية ومشاركتها في إعادة الإعمار، تماماً كما شاركت في الحرب. وأما المقترح الثاني: أن تكون الحكومة الجديدة في غزة مسؤولة فقط عن إعادة الإعمار، بينما تظل القوة العسكرية الفعلية في غزة بيد حركة حماس. مع التذكير أن هذه المقترحات ترتبط بالمعطيات القائمة، والتي سيتم تعديلها إذا تغيرت المعطيات التي اوجدتها. واهم هذه المعطيات هو مستوى التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية !.
ختاما . تثبت التطورات المتلاحقة .أنه لم يعد مهما من الناحية العملية الحديث عن توحيد الصف الفلسطيني . والسبب أنه لم يعد هنالك أطراف بينها تساوي أو تقارب في الأوزان السياسية . الحقيقة هي أن حماس هي فلسطين . وفلسطين هي حماس . فيما بقية المنظمات الفلسطينية باتت على الهامش السياسي في الضفة الغربية وقطاع غزة . من هنا فإن قرار السلم أو الحرب هو قرار حماس ؟. فالقرار لهم و يبدأ منهم ؟. وبالتالي فالحديث يجب أن يكون مع حماس فهي مفتاح كل شيء هنالك ؟.