النسخة الكاملة

الاردن خيطٌ يربط بين ما قيل في واشنطن وما سيُقال في الرياض

Friday-2025-02-21 04:04 pm
جفرا نيوز -
المحامية هبة أبو وردة 

بين واشنطن والرياض خيطٌ ممتد، لا تراه العين المجردة، لكنه يحاك في صمتٍ ليكون نسيجًا يعيد تشكيل المشهد العربي؛ هناك في  واشنطن نُسجت أولى خيوط هذا المشهد، حين تحدث الملك عبد الله الثاني بصيغة الجمع، واضعًا الخط الفاصل بين من ينتظر حلولًا تُفرض عليه، ومن يخطّها بيديه، وهنا، في الرياض، حيث يجتمع القادة العرب في لقاءٍ لم يُوصف بالرسمي لكنه يحمل في طياته أكثر مما يُعلن، يُعاد شدّ هذا الخيط، يُعقد في مواضعه الصحيحة، ليصبح قطعةً من نسيجٍ أكبر؛ نسيج الموقف العربي الموحد،

ولأن السياسة، كالحياكة، لا تنتج بخيط منفرد، و لا تحتمل الخطأ في الغُرز، ولا الفراغات التي تتسلل منها الأيادي العابثة، بل يحتاج إلى أن يُشبك الخيوطٍ، و تُنسج بحكمةٍ ودقة، و تخرج نسيجٍ متينٍ يصمد أمام رياح التغيير، أو تتحول إلى رقعةٍ تُرمّم كلما مزّقتها الأحداث. 

فتكاتف العرب اليوم لم يعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية، لا فقط لحياكة موقفٍ موحّد، بل لصناعة مستقبلٍ يُكتب بأيديهم لا بأيدي القوى العابثة بمصائرهم؛ إذ يقف العالم العربي عند مفترق طرق، والخيار ليس بين الوحدة والفرقة، بل بين البقاء والتلاشي.

ولادراكِ القيادة الهاشمية لهذه الحقيقة، لم يتحدث الملك عبدالله الثاني في واشنطن، عن موقفٍ أردنيٍ منفصل، بل عن موقفٍ عربيٍ متكامل، حين قال بوضوحٍ إن العرب "سيجدون الحل”؛ كرسالةً ضمنية بأن المنطقة لم تعد تقبل بأن تُعامل كمتلقٍ للقرارات، بل تسعى لامتلاك زمام المبادرة، ورسم سيناريوهات المستقبل بأيديها، لا وفق رغبات القوى الكبرى.

المملكة العربية السعودية، الصحراء هادئة التي تحمل في جوفها نار القرارات الكبرى، والتي لطالما كانت ساحة للحلول، سواء بصياغة التفاهمات أو بكسر الجمود السياسي حين يتطلب الأمر، فبرؤيتها الحكيمة لاهمية تحويل تصريحات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى اتفاقاتٍ تضع حدًا لحالة التشرذم التي لطالما استغلتها القوى الكبرى في فرض معادلاتها على المنطقة، تستضيف قادة دول العربية، لتضع على الطاولة مصير منطقة بأكملها، في محاولة لتوجيه دفتها بعيدًا عن العواصف المتربصة

فكانت الرياض باختيار ليس عابر هي الخطوة التالية .. فمن يراقب حركة السياسة في المنطقة، يدرك أنها لم تعد مجرد عاصمةٍ خليجية، بل تحولت إلى غرفة عملياتٍ يُعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط.

دعا ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر، لاجتماع في ظاهره غير رسمي، لكنه في باطنه أقرب إلى مفترق طرقٍ تاريخي، فكل من يفهم قواعد اللعبة السياسية يدرك أن أهم اللقاءات ليست تلك التي تُعقد تحت أضواء الكاميرات، بل تلك التي تجري بصمت، لا تذيعها الشاشات ولا تعقبها مؤتمرات صحفية، في قاعات بلا منصات، وعلى طاولات تحيط بها الثقة أكثر من الملفات الرسمية، حيث تُصاغ  التفاهمات والقرارات التي لا تحتمل الظهور المبكر، ويُعاد ترتيب الأوراق بعيدًا عن الضوضاء، قبل أن تتحول إلى بيانات رسمية.

مما حتم عقد هذا اللقاء قبل أسابيع من قمة عربية طارئة مقررة في القاهرة، ما يجعله خطوة تمهيدية لولادة موقف عربي جديد أكثر تماسكًا قبل عرض وجهة النظر العربية أمام المجتمع الدولي.

جوهر هذا اللقاء لا يكمن فقط في إعادة ترتيب التحالفات، بل في الإجابة على السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا عن فلسطين؟ لم يعد المشهد يحتمل ضبابية المواقف، ولا ازدواجية اللغة؛ فما يجري اليوم في غزة ليس مجرد أزمةٍ عابرة، بل هو اختبارٌ أخلاقيٌ وسياسيٌ لكل العواصم العربي، فمن جهة يجب البحث عن آليات دعم غزة في ظل العدوان الإسرائيلي المستمر، ومن جهة اخرى تحديد الموقف العربي من أي ترتيباتٍ مستقبلية، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية لإعادة رسم المشهد السياسي الفلسطيني وفق رؤيةٍ تتجاوز أصحاب القضية أنفسهم.

القضية الفلسطينية لم تعد مجرد ملفٍ سياسيٍ عابر، بل هي المحور الذي تتقاطع عنده كل التحركات العربية والدولية، وبالنسبة للأردن، فإن هذه القضية ليست مجرد التزامٍ سياسي، بل هي إرثٍ طويل من الدفاع عن القدس والمقدسات، ليس فقط من منطلق ديني، بل من زاوية جيوسياسية تدرك أن أي حلٍ لا يراعي حقوق الفلسطينيين لن يكون سوى وصفةً لتفجير المنطقة بأسرها، فهي جزءٌ من الأمن القومي الأردني، حيث يرتبط استقرار المملكة ارتباطًا وثيقًا بتطورات الوضع الفلسطيني.

لهذا، فإن وجود الملك عبد الله الثاني في هذه اللقاء هو عنصر حاسم في صياغة الموقف العربي؛ حيث يمسك الأردن بخيوطٍ لا يمكن فصلها عن جوهر القضية الفلسطينية، سواء فيما يتعلق بالوصاية الهاشمية على المقدسات، أو في دوره كضامن لأي ترتيباتٍ مستقبلية تخص الضفة الغربية والقدس.

اضافة الى ان أهمية الملك عبد الله الثاني في هذا اللقاء او في القمة المنتظرة، لا تقتصر على ملف فلسطين وحده، بل تمتد إلى دوره الأوسع في تحقيق التوازن بين القوى العربية المختلفة؛ ففي وقتٍ تشهد فيه المنطقة تحولاتٍ جذرية في تحالفاتها، يظل الأردن أحد الأطراف القليلة القادرة على التحرك برشاقةٍ بين المحاور المختلفة، متجنبًا الاستقطابات الحادة، وساعيًا إلى إبقاء الجسور مفتوحة بين العواصم العربية التي قد تختلف في الأولويات، لكنها تدرك أن التحديات المشتركة تتطلب الحد الأدنى من التنسيق الاستراتيجي.

من هنا، فإن حضور الملك عبد الله الثاني في الرياض اليوم، يعد ،مشاركةٍ جوهرية؛ من جهة السياق الدولي الذي تتحرك فيه السياسة، فان الملك عبد الله الثاني، يدخل هذا اللقاء بملامح العارف ببواطن الأمور، بدور ميزانٌ توزن به المواقف، وخيطٌ يربط بين ما قيل في واشنطن وما سيُقال في الرياض، ومن جهة السياق العربي  جزءٌ من عملية إعادة ضبطٍ التوازنات العربية، حيث يُنتظر أن يلعب الأردن دورًا محوريًا في تقريب وجهات النظر، وتعزيز وحدة الصف العربي في مواجهة التحديات الراهنة، سواء كانت سياسية، أمنية، أو اقتصادية.

الى جانب الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فان العالم العربي يواجه تحديات اخرى، من إعادة تشكيل التحالفات الدولية، إلى ضرورة بناء نظامٍ إقليميٍ قادرٍ على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية، والسؤال الحقيقي المطروح اليوم ليس فقط كيف نحل القضايا العالقة، بل كيف نضمن أن المستقبل لن يعيد إنتاج الأزمات نفسها؟.

اليوم، في الرياض، وبينما تُعقد الاجتماعات خلف الأبواب المغلقة، لن تُكتب بياناتٌ عادية؛ فاما ان  تُرسم ملامح مرحلةٍ جديدة، او أنها ستكون محطةٍ جديدة في طريقٍ طالما كان مليئًا بالتعقيدات؟ ربما لن تصدر عن هذا اللقاء بيانات رسمية تحمل قرارات مصيرية نتاج هذا اللقاء، لكن أثره سيظهر في المقبل من الأيام، سواء في شكل سياسات جديدة، أو في مستوى التفاهم العربي حول القضايا الكبرى. 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير