النسخة الكاملة

العقبة.. حين يصبح البحر قلبًا والميناء شريانًا

الخميس-2025-02-20 10:54 am
جفرا نيوز -
المحامية هبة أبو وردة 

على حافة الوطن، حيث يلتقي الرملُ بالماء، كانت العقبةُ تنبضُ كقلبٍ مفتوحٍ على البحر، وكانت السفنُ تلوّحُ لها من بعيد، كأنها رسائلُ تجاريةٌ مكتوبةٌ بلغة الموج والريح، وكان البحرُ يأتي بالعطاء كما تأتي الأمطارُ للأرض العطشى.

العقبة.. القلب الذي يضخ الحياة في رئة الاقتصاد الأردني،الذي تتنفس عبر البحر، وتوزع الهواء إلى كل زاويةٍ في السوق الأردني، حين كانت السفن تملأ مرافئها، كانت الأسواق تعجّ بالبضائع، والأسعار تنافس في المحلات، و كان الأردن مركزًا لحركة لا تهدأ، بل كان نقطة عبورٍ استراتيجية للدول الجوار ايضا؛ حيث تمرّ السلع من البحر إلى الداخل، ثم إلى الخارج، في دورةٍ اقتصاديةٍ لا تعرف الانقطاع.

من ميناء العقبة، يتنفس الاقتصاد الأردني، ولكن عندما تتعثر حركة السفن، يصبح هذا الشريان معطوبًا، يضخ الأزمات بدلًا من الاوكسجين، لكنها اليوم كصدرٍ مصابٍ بالاختناق، يعاني من انسدادٍ حاد، يتنفس بصعوبة، فلا الدم يصل، ولا الأكسجين يكفي وينتظر أن يُفتح ممرٌ جديدٌ للهواء، أما العقبة اصبحت تنظر إلى البحر كما ينظر العطشان إلى السراب، تراقب السفن العابرة، لكنّها لا تُبحر نحوها كما اعتادت، الميناء الذي كان شريانًا نابضًا، صار جرحًا مفتوحًا، تنزف منه التجارة، وتتسرّب منه الفرص كما يتسرّب الرمل بين الأصابع؛  لم يعُد البحر يهمس لها بأسراره، بل صار يُدير وجهه نحو موانئ أخرى، كصديقٍ قديمٍ لم يعُد يجد في اللقاء ما يُغريه.

أين هم العمّالُ الذين كانت ضحكاتُهم تسبقُ خطواتِهم إلى الميناء؟ أين هي الأيدي التي كانت تُحمّلُ البضائع وكأنها ترفعُ أحلامَها إلى السفن؟ أين هي الأسواقُ التي كانت تضجُّ بالحياة؟ أكلُّ هذا اختفى كما تختفي الشمسُ خلف الأفق، أم أن البحرَ قد قرر أن يحجبَ خيرَه عنا؟.

كيف للأردنِّ أن ينهضَ واقتصادُه يختنقُ عند بوابته البحرية؟ وكيف للعقبةِ أن تزدهرَ وسفنُها ترسو في أماكنَ أخرى، كأنها قد أضاعت الطريقَ إلى أرصفتها؟، كيف لميناءٍ بُني ليكون بوابةً للتجارة، أن يصمد في وجه أمواجٍ تُهدر بأوامر سياسية، وحروبٍ تُخاض على حساب الدول الصغيرة؟ الميناءُ ليس مجرد مرفأ، إنه نبضُ اقتصادٍ، وشريانُ حياة، وإذا ما خفتَ هذا النبض، فمن يعيدُه للحياة؟
الحصارُ ليس دائمًا جدرانًا وأسلاكًا شائكة، أحيانًا يكون طريقًا يُغلق دون إعلان، وقرارًا تتخذه شركات الشحن، حين تجد أن هذا البحر لم يعد ممرًا آمنًا، أصبح الاقتصاد الأردني يدفع ثمن حربٍ لم يكن طرفًا فيها، لكنه وجد نفسه أحد المتضررين الرئيسيين منها، ليس بالصواريخ، بل بتباطؤ الأسواق، وشحّ الخيارات، وتصاعد تكاليف كل شيء.

لطالما نظرت إسرائيل إلى البحر الأحمر على أنه طريقٌ يجب أن يُراقَب، لكن اليوم، لم تعد تكتفي بالمراقبة، بل أصبحت لاعبًا، لا يقف عند حدود مياهه الإقليمية، بل يُمدّ يده إلى الضفة الأخرى، يفرض قواعده، ويعيد رسم المسارات، البحر، الذي كان واسعًا، بات يضيق، ليس لأن أمواجه انحسرت، بل لأن هناك من قرر أن هذه المياه ليست لنا، وأن حركة السفن يجب أن تُدار من تل أبيب قبل أي ميناء عربي.

ما يحدث في البحر الأحمر ليس مجرد اضطراب ملاحي، بل هو حرب اقتصادية، تُستخدم فيها الموانئ كأدوات حصار، والتجارة كسلاح، والمياه كحدودٍ جديدة، لم تُرسم على الخرائط، بل على شاشات الرادارات العسكرية.

لم يُطلق الأردن رصاصةً واحدة في صراعات البحر الأحمر، لكنه يسمع أصداءها في أسواقه كل يوم، لم يدخل هذه الحرب، لكنه يدفع ثمنها، كما يدفع العابرُ ثمن العاصفة التي لم يصنعها، لكنه وجد نفسه في قلبها.

من يسيطر على البحر الأحمر، لا يسيطر على التجارة فقط، بل يسيطر على الإمدادات، والطاقة، ومستقبل الاقتصاد الإقليمي، واليوم، حين تقصف إسرائيل الحديدة، فإنها لا تضرب اليمن وحده، بل تضرب فكرة أن الموانئ تُدار بأيدي أصحابها، وأن التجارة لا يجب أن تخضع لحسابات القوة؛ لان هذا الاعتداء لم يكن مجرد اضطرابٍ جغرافي، بل كان زلزالًا اقتصاديًا امتدت ارتداداته إلى الأردن كله.

قبل أن تُثقل الحربُ كاهل اليمن، وقبل أن يُصبح البحر الأحمر ساحةً للصراعات لا للملاحة، كانت بابًا مفتوحًا على العالم، ومفتاحًا للتجارة الأردنية، يربطها بالبحار البعيدة، ويمنحها متنفسًا لا تحكمه الخرائط الضيّقة، لكن ذلك الباب أصبح مُحكم الإغلاق، كما يُغلَق الأفق في وجه بحّارٍ وسط العاصفة، فلا يعود يعرف إن كان عليه الانتظار حتى تهدأ الرياح، أم أن يبحث عن طريقٍ آخر قبل أن تغرق سفينته بالكامل.

بين الحديدة والعقبة، لا يقف البحر محايدًا، بل يقف شاهدًا على زمنٍ لم يعد فيه للتجارة براءتها، ولم يعد فيه للقانون وزنه، ولم يعد فيه للبحر اتساعه، كان البحرُ قديمًا وعدًا بالحياة، لكنه اليوم أصبح وعدًا بالخضوع، وساحةً لا ينتصر فيها إلا من يملك الصواريخ، لا من يملك الموانئ.

فبين الحديدة والعقبة، قصة تُروى بماء البحر وحبر السياسة، الأول يحترق تحت ضربات الطائرات، والثاني يختنق في ظل التوترات المتصاعدة، وبينهما، دول تبحث عن موطئ قدم في عالم لا يرحم الضعفاء.

إنها ليست مجرد أزمة ملاحية، إنها إعادة توزيعٍ قسريةٌ للفرص والمصالح، وكأن البحر صار طاولة قمار، البعض يربح، والبعض يخسر، لكن الأردن لا يجلس على الطاولة، بل يدفع الثمن فقط.

ثمنا باهظا نراه في الأسواق، أصبحت بضائعها تُشبه أرواحًا مُعلقة، تنتظر من يُحرّرها من قيود الركود، التجار الذين كانوا يفتحون دفاتر الأرباح، صاروا يعدّون الخسائر كما يعدّ الجائع لقيماته، الشوارع التي كانت تضج بالحركة، باتت تتنفس ببطء، كأنها تخشى أن يخذلها الهواء، الأسعار لم تعُد تُقاس بالدينار فقط، بل تُقاس بالصبر، بالصمت، بالأعين التي تقرأ الأرقام على اللافتات، ثم تمضي دون أن تقترب، المحال التجارية تُشبه نوافذ البيوت المهجورة، يُطلّ منها أصحابها إلى زبائن لم يأتوا، كما يُطلّ السجناء إلى أفقٍ بعيدٍ لا يستطيعون الوصول إليه، العمال، الذين كانوا العمود الفقري للحركة الاقتصادية، أصبحوا مثل البحارة الذين فقدوا سفنهم، يتسكعون على أرصفة البطالة، ينتظرون ريحًا جديدةً لا تأتي.

إنه اقتصادٌ يترنح، لكنه لا يسقط، كمن يعلق بين الحياة والموت، يتشبث بأي أمل، ولو كان خيطًا واهيًا في عاصفة، إذا بقي الاردن تعتمد على البحر، فسيبقى أسير أمواجه، يأمل أن يُفتح اليمن، أو أن تهدأ العواصف، لكنه ستظلُّ كعصفورٍ يقف على غصنٍ مهتزّ، لا يعرف متى سينكسر تحته، لا بد أن يبحث الأردن عن بدائل، عن مساراتٍ لا تخضع لأهواء السياسة، ولا تتوقف عند بواباتٍ تُقفلها الصراعات؛ لأن الحقيقة الصعبة هي أن البحر لن ينتظر الأردن، والتجارة لن تعود إليه إذا لم يُقاتل لاستعادتها، العقبة اليوم ليست مجرّد ميناءٍ في أزمة، بل مرآةٌ تعكس كيف يُمكن لاقتصادٍ أن يختنق، لا لأنه فشل، بل لأن العالم من حوله قرر أن يُدير ظهره له.

الاقتصاد الذي يعتمد على منفذٍ واحد، كمن يبني بيتًا على ضفة نهرٍ متقلب، يكفي أن يعترض مجراه حجر، حتى يُغرق أو يجفّ، لا يمكن للأردن أن يظل رهينة الموانئ وحدها، ولا أن ينتظر أن تفتح السياسة له الطرق، بينما غيره يعبّد مساراته بنفسه.
ربما! يجب أن تتحوّل العقبة من ميناءٍ مُستقبِل إلى مركزٍ مُصدِّر، يفرض نفسه على خارطة التجارة العالمية، لا بد من خلق اقتصادٍ لا يخضع لأمزجة البحر، ولا يرتجف مع كل إغلاقٍ لمضيق أو ميناء، لا بد أن يكون للأردن خياراته، لا أن يكون رقعةً على رقعة شطرنجٍ يُحرّكها الآخرون.

ام انه! لا بد من استراتيجياتٍ جديدة، لأن الاعتماد على البحر صار رهانًا خاسرًا، لا بد من بدائل اقتصاديةٍ، لأن الانتظار ليس خطة، بل استسلام، لا بد من أن يُبنى السوق على شيءٍ لا يستطيع أحدٌ أن يُغلقه، لا ميناءً، ولا مضيقًا، ولا بوابة.

في قلب الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الرياح القادمة من كل اتجاه، يقف الأردن كطائرٍ يحلّق بجناحين من الصبر والحكمة، لكنّ الريحَ التي كانت تعينه على الطيران، باتت اليوم تعصفُ به من كل صوب، لا حدودُه مغلقةٌ تمامًا، ولا موانئُه محررةٌ تمامًا، ولا اقتصاده مستقرٌ كفاية ليقاوم هذه العواصف التي لا تهدأ، كان الأردنُ دومًا سيد التوازنات، لكن في عالمٍ يُباعُ فيه الاستقرار في أسواق السياسة، باتت كلفته أعلى من أي وقتٍ مضى.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير