الإعمار من وجهة نظر السياسة، معركة أخرى تُخاض بالحبر والتوقيعات، كما خِيضت سابقًا بالنارِ والدمارِ. فكما أن الجيوش لا تدخل المدن إلا بعد أن تُفتح لها الأبواب، كذلك لا تَدخل مشاريع الإعمار إلا بعد أن تُرفع الرايات السياسية التي تناسب المانحين "تُجار النكبات".
مسرحية دولية!! تُعقد المؤتمرات، حيثُ الممثلون أنفسهم، لكن بأقنعة مختلفة، وقت مستقطع لوقفة التعازي الاستثمارية؛ يجلس المانحون "تُجار النكبات"، على طاولات فاخرة، في قاعاتٍ مكيفة، يتناقشون بجدية مفتعلة حول "كيفية إعادة الحياة”، إلى مكان قرروا مسبقًا أنه لا يجب أن يحيا بالكامل، تُطرح المُقترحات بسخاء، يرسون على أرقامًا فلكية كثمنٍ لولاءٍ مُغلف بإسم الإعمار، يُعاد رسم الجدران بما يخدم الهندسة السياسية الجديدة، على طاولةٍ لا يملك أصحابها مقعدا عليها، تُرفع التقارير، تُعلن الوعود، ثم يبتسمون للكاميرات؛ منتظرين من الشعوبِ، أن تمسح ذاكرة الدمار كما مُسحت سبورة قاعة الاجتماع الدولي، وأن تُصفق بسذاجة لمن صنعوا الفوضى، ثم عادوا ليبيعوا الترياق.
إنتهى، هكذا أصبح الإعمار امتدادَا آخر للحرب، لكن بأدوات أكثر تهذيبًا، وأقل ضجيجَا؛ التاريخ يعيدُ نفسه، ولكن بأدواتٍ أكثر حداثة، وديكوراتٍ أعلى دبلوماسية؛ فمن يقرأ التاريخ يُدرك تمامًا أن التدميرَ العنيف، يليه مباشرةً إعادةِ بناءٍ مشروطة، ثم نظام سياسي جديد أكثر طواعية، الحربُ هي الأداةُ الأولية، لكن الإعمار هو المعركة الحقيقية، حيثُ لا تطلقُ رصاصةً واحدة، لكن! يتم حسم المصير بقراراتِ مجلس الهيمنة، وليس مجلس حرب.
فالإعمارِ ليس عملًا خيريًا، بل هو أحد أذكى أدوات الهيمنة؛ ففي السياسة لا شيء يُمنح بالمجان، بل يُستثمر حيث يُضمن الولاء قبل الطوب، والطاعة قبلَ الخرسانة، فكما أن القصف لم يكن عشوائيًا، كذلك إعادة البناء لن تكون هباء، وكما أن الهدم ليس نهاية، كذلك الإعمار ليس بداية، كلاهما وجهانِ لعملةِ الهيمنة.
عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، كانت أوروبا مجردِ كومةً من الخرابِ، مُدنها أطلال، وإقتصادها متهالك، تتنازعُها جاذبيةَ قُطبين؛ الإتحاد السوفييتي بتوجهِه الإشتراكي، والولاياتُ المتحدةُ الأمريكية، وكلاهما حائطَ سد في وجهِ الآخر، وقفت أمريكا تتأمل المشهد كما يتأمل مقاول بارع أرضًا خصبة لمشاريع ضخمة، ورأى في الدمارِ فرصة لصياغة نظام عالمي ضمن مقاييس واشنطن، وهنا ظهر مشروع مارشال، كحصانِ طروادة إختراق الجدرانَ السياسية، ومد حِبالهِ لأوروبا الغربية فَحملها من تحت أنقاض الحرب، و دفق عليها 13 مليار دولار، فجرفتها تحت الأنقاض مرةً أخرى!! لكنها أنقاض الولاء السياسي؛ فلم يكن الإعمار مجرد إحسان، بل كان استثمارًا استراتيجيًا لضمانِ ولاءِ الدول الأوروبية للمعسكرِ الغربي، في مواجهة الإتحاد السوفييتي؛ أي وسيلة لتعزيز الهيمنة الأمريكية في أوروبا، ضمن معادلة حرب باردة، وهكذا، لم يكن المال وحده هو الذي تدفق على أوروبا، بل تدفقت معهُ الهيمنة السياسية والاقتصادية، التي أعادت تشكيل القارة وفق مصالح واشنطن، فهي الممول وهي المهندس، وهي المشرف على البناء، وهكذا استبدلت أمريكا الأنقاض بالتحالفات، والخراب بالتبعية.
فكما أن مارشال لم يكن سوى إعادة تدويرٍ لأوروبا، وفقَ مقاييسِ واشنطن، فإن أيُ مشروعِ إعمارٍ لقطاع غزة اليوم لن يكون سوى إعادة ترسيم للخارطةِ السياسية؛ وفق مصالح القوى الكبرى، فالقصف مجاني، لكن البناء باهظُ الثمن، الفاتورة ستدفع بالسياسة، لا بالمال.
صفقة مع الخراب، اتفاق غير مكتوب بين من يدمّر ومن يموّل، يُنظر إلى الركامِ كما ينظر إلى ناطحةِ سحابٍ قبل تشييدها؛ لا يهم من سكنها سابقًا، المهم مَن يملك مفاتيحها بعد البناء، وكأنهم كانواسكانًا لا أصحاب سيادة، و الحجارةِ المحطّمة ليست جريمة، بل فرصة لإعادةِ ترتيب الأوراق، وإملاءِ شروط جديدة، مشروع ترامب، لم يكن خطة سلام، بل إعلان تصفيةً سياسية، حيث طُرحت فلسطين كما لو كانت شركة خاسرة، تنتظرُ عرض إستحواذ، وكأن الحقوق التاريخية تُباع على شكل أسهم، والسيادة تُقاس بعدد "المشاريع الاقتصادية” التي سيجودَ بها المانحون الجدد "تجار النكبات"، كان المشروع أشبه بمزاد علني، لمنطقة صناعية، أو ميناء في بقعةٍ ما خارج حدود التاريخ والجغرافيا.
إعادة إعمار الدول بعد الحرب ليست سوى فصلٌ آخر من العبثِ السياسي، حيث يعود الخراب متنكرًا في هيئة إعمار، وتُسكب الأموال كما تُسكب التعازي بلا روح، وبلا نية حقيقية لتعويض الفقدان، الدول التي كانت بالأمس مسرحًا للدمار تصبح اليوم سوقًا مفتوحة، حيث يُعاد بناؤها لا كما كانت، بل كما يشتهي الممولون، وكما تقتضي شروط "التمويل” الممهورة بتوقيع من تسبب في الكارثة أولًا، فتبدأ الجرافات عملها، لكن ليس لإزالة آثار العدوان، بل لرسم ملامح جديدة لوطن لم يعد يشبه نفسه، تُبنى الجسور، لكن لا تصل بين الأحياء التي فُصلت، بل بين المصالح التي تكرّست، تُرمّم المؤسسات، لكن بآليات تجعلها أكثر قابلية للتحكم، وأقل قدرة على الحياة.
لطالما كان إعادة الإعمار أداة جيوسياسية تُوظَّف لترسيخ النفوذ وإعادة تشكيل المشهد وفق مصالح الفاعلين الدوليين، من مشروع مارشال الذي أعاد ترتيب الخارطة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الحديثِ عن مشروع ترامب لإعادةِ إعمار غزة بعد العدوان الأخير، يبقى الإعمار في جوهره عملية سياسية مشروطة، تحمل في طياتها أكثر من مجرد إعادة بناء ما دُمِّر، فتحول حق إلى ورقةِ تفاوض، ومن ضرورة إنسانية إلى أداةٍ للتحكم؛ حيثُ يصبح الإسمنت قيدًا صلبًا، والمال مشروطًا بالولاء، في النهاية! ليست المعركة مع الدمارِ فقط،، بل مع من يريدُ أن يجعلَ إعادةِ الإعمارِ استكمالًا للهزيمة، لا بدايةً للنجاة.