لم أشاهد الملك عبدالله الثاني غاضبا كما هو مساء يوم أمس الإثنين خلال اجتماعه مع عدد من المتقاعدين العسكريين في يوم الوفاء لهم و للمحاربين القدامى. فجأة تحول الملك من أسلوبه المعتاد وهو الأسلوب الهادئ عموما والأسلوب الدفاعي في ظروف معينة نحو أسلوب الهجوم و التحذير والتهديد .نبرة صوته مع حركات جسده . كانت على ذات درجة حرارة كلامه. الملك أطلق تحذيرا و تهديدا يخص فئة داخل الأردن. هو يعرفهم. كما أنه حدد صفاتهم،( ناس تتلقى أوامر من الخارج ) مع إضافة عبارة ناعمة لكنهم توبيخية و جارحه وفي مكانها وهي ( مش عيب عليهم ). هذه الحدة في الخطاب الملكي يوم أمس تشابه تصريحا مماثلا للملك حسين في ظروف مشابهة قبل ثلاثة عقود من الزمان حينما قال ( خرجت الفئران من جحورها وان على الغالبية الصامتة أن تتحرك ). لكن الفرق بينهما أن الغالبية الصامتة اليوم قالت كلمتها ( مع الأردن . ومع الملك ) وهي تنتظر إشارة الهجوم على الفئران التي خرجت من جحورها .
حينما استمعت إلى خطاب الملك مساء يوم أمس الاثنين . دونت هذه المرة عدة ملاحظات حول كلام الملك على شكل أسئلة مفتاحية . في ذات الوقت لم أتعجل الكتابة . إذ أن الحال كان يتطلب قراءة ردود الأفعال المختلفة بعد انتشار الفيديو الذي يتضمن التهديد الملكي لهؤلاء . كان هنالك تفاعل من المواطنين وخاصة من اليمين الوطني الأردني مع تلك التصريحات . عدد كبير منهم نشر الفيديو الذي يتضمن التصريحات الملكية على حسابه الإلكتروني على مواقع التواصل الاجتماعي. بكل تأكيد أن سبب التفاعل مع تصريحات الملك أن الملك خاطب الروح الوطنية لدى الأردنيين من حيث أن يتبع كل اردني مصلحة الاردن و ليس مصالح دول اخرى . لكن ذات الجمهور الذي تفاعل مع تصريحات الملك كان في ذهن كل واحد منهم قناعة استنتاجيه أن الملك قصد هذا …أو أن الملك قصد ذلك .مما يؤكد أن هنالك تباين بين المواطنين في تحديد الفئة المقصودة ؟
اعود الى الأسئلة التي كتبتها لحظة الاستماع إلى الخطاب الملكي . هل الفئة المقصودة هي تيار سياسي . هل هم من اليمين الديني . هل هم من اليسار . هل هم من الليبراليين . طبعا لا توجد إجابة . السؤال الثاني هل المقصودين يتبعون سفارة عربية أو سفارة أجنبية . طبعا لا توجد إجابة . السؤال الآخر هل كان هناك تغييرات في مفردات الخطاب الملكي في مخاطبة هؤلاء . نعم كان هناك تغيير . حيث أعاد الملك استخدم (كلا ) ولم يستخدم( لا ) لتعزيز التهديد و التحذير . ذلك أن (كلا) دلالتها قطعية أكثر من( لا ). قال ( كلا للتهجير . كلا للتوطين . كلا للوطن البديل ). السؤال الآخر .هل اختار الملك مناسبة و جمهور خاص من أجل إيصال رسالته إلى هؤلاء . نعم فعل ذلك. حيث اختار مناسبة الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى وجاء كلامه خلال اجتماعه مع عددا منهم من أجل إعطاء الخطاب الملكي طابعا وطنياً قوياً . وفقاً لذلك فقد اكتملت عناصر إيصال الرسالة السياسية المطلوبة والتي تشمل (المناسبة الوطنية . و خليفات الحضور الوظيفية السابقة . و نوعية وأسلوب الكلام المقال ) . في ذات الإتجاه يأتي السؤال الآخر هل كان الكلام موجها للداخل أم للخارج ؟ والجواب أنه كان موجها إلى كلاهما معا .فهي رسالة مزدوجة للطرفين . إلى الطرف الخارجي الذي يعمل علينا تشكيكا والأطراف الداخلية التي تنفذ ذلك .ننتقل إلى سؤال إضافي . ما هي أهمية الرسالة الملكية .والجواب هو اغلاق كل الأبواب التي تنفذ منها كل الأطراف الخارجية التي تستهدفنا. ذلك أنه في الدفاع عن هوية الأردن وأمنه لا يسمح إلا بصوت جماعي واحد.
ختاما . كانت تصريحات الملك مساء أمس خطوة أولية لا بد منها من أجل الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية من سموم المشككين . خاصة أنها اتخذت أسلوب التهديد و التحذير. لكنها ستصبح أبعد من ذلك إذا استمرت الأطراف الخارجية في مخططاتها و استمرت الفئة الداخلية في تنفيذ تلك المخططات .وقتها سيكون الرد على هؤلاء ردا قاسيا من جهتين من الجهات السيادية و من اليمين الوطني الأردني .