في لقاء أبوي عاطفي، جمع جلالة الملك عبدالله الثاني مع نخبة من رفاق السلاح المتقاعدين، وبحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي عهده الأمين، بمناسبة يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى، حيث أعرب الملك عن فخره واعتزازه بجهود القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمتقاعدين العسكريين و تخلل اللقاء الحديث عن أهم قضايا الوطن في الوقت الراهن، فلم يكن جلالته يتحدث إلى جمهور من المستمعين، بل كان يخاطب نخبة من الرجال الذين لم يكونوا يوما شهودا على الأحداث، بل كانوا صنّاعها، هؤلاء الذين حملوا سيف الوطن يوم احتاج إليهم، وحين ألقى الملك بكلماته بينهم، كان يعرف أنه يخاطب من لا يهاب المواجهة ولا يتردد في حمل الأمانة.
شارك جلالته الرفاق، مجريات زيارته الأخيرة إلى واشنطن، مشددا على ضرورة إعادة إعمار غزة، دون تهجير الفلسطينيين، والعمل على خفض التصعيد في الضفة الغربية، مؤكدًا أن تحقيق السلام العادل والشامل على أساس حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في المنطقة، مؤكدا جلالته على المواقف الثابتة للمملكة اتجاه القضية الفلسطينية، مجددًا لاءاته الثلاث: "كلا للتهجير، كلا للتوطين، كلا للوطن البديل”.
لاءات ثلاثة… خطوط لا تمحى …
حين يضع الملك خطوطه الحمراء، لا يرسمها على رمال تذروها الرياح، بل على صخور صقلتها معارك البقاء؛ "لا للتهجير، لا للتوطين، لا للوطن البديل”، لم تكن هذه مجرد لاءات في قاموس السياسة، بل كانت سدودا منيعة أمام كل من يحاول أن يعيد رسم الخرائطِ على حسابِ الأردن وفلسطين.
تحدث جلالته على أهمية دور رفاق السلاح في تعزيز إنجازات الأردن ومؤسساته، كما أشار إلى جاهزية المتقاعدين العسكريين لارتداء الزي العسكري (الفوتيك) والوقوف إلى جانبه في مواجهة التحديات، مؤكدًا أن مصلحة الأردن واستقراره وحماية مواطنيه تأتي فوق كل الاعتبارات.
حين يعود الرجال إلى الفوتيك… تعرف المعركة جدها … سيدنا يتحدث… والرسائل قد وصلت
لم يكن حديث جلالته عن جاهزية المتقاعدين العسكريين لارتداء الزي العسكري (الفوتيك)، مجردَ جملة عابرة، بل كان رسالة لمن يعتقدون أن الأردن قد يبتلع في زحامِ الصفقات، فعندما يعود الرجال إلى الفوتيك، يكون ذلك إعلانا بأن الأمور لم تعد تدار بالتصريحات، بل بالمواقف التي تحتاج إلى رجال يحملونها على أكتافهم ..
فلم يكن خطابا سياسيا عابرا، حديث تخلله غصة وطنية، بل كان صرخة الأب حين يرى بعض أبنائه يحرقون بيتهم بأيديهم، نداء حزن المكبوت الذي صدمه العقوق، حيث تناول جلالته بوضوح قضية الجريمة السياسية التي يرتكبها بعض أبناء الوطن خيانة وطنهم، وأعرب جلالته عن استيائه من تصرفات بعض الأفراد الذين، بدلا من أن يكونوا درعا للوطن، اختاروا طريق الخيانة والتآمر ضد بلدهم.
كيف يصبح ابن البيت دليلا للصوص!! كيف يصبح المدافع عن القلعة هو أول من يفتح أبوابها للغرباء!! إنها أشد فتكا من العدو نفسه، فالعدو واضح بوجهه وسلاحه، أما الخائن، فوجهه متلون كالأفعى، يبتسم وهو يخبئ السم تحت لسانه، يقسم بالولاء في العلن، ويبيع الشرف في الخفاء.
فالخيانة ليست رأيا سياسيا، وليست اختلافا مشروعا، بل هي جريمة بحجم الأرض التي احتضنت الخائن، وبحجم الدماء التي سالت لتحميه، وبحجم الآباء الذين رحلوا وهم يظنون أن الوطن بأيد أمينة، لكنها لم تكن كذلك، فقد كانت بيننا ذئاب ترتدي جلود الإخوة، تبتسم في النهار، وتطعن في الليل، ترفع شعارات الحرية وهي تمارس أقبح أشكال العبودية لأجندات خارجية، تتحدث عن المصلحة العامة، وهي لا ترى إلا جيوبها المليئة بثمن الخيانة.
من يتآمر على بلاده، هو عدو بلا سلاح، أخطر من جندي من الخارج يحمل رشاشا؛ لأنه يحارب بلسان سام يلبس الخيانة ثوب الوطنية و يحول حب الوطن إلى قضية قابلة للأخذ والعطاء، وكان حب الوطن أصبح وجهة نظر وليس قدرا لا يقبل مساومة.
فالخيانة ليست مجرد خرق للقانون، بل هي اغتيال للروح الوطنية، قتل صامت للوفاء، وهي أقسى من عدوان الأعداء، لأن العدو على الأقل لا يتخفى في هيئة أخ أو ابن، هؤلاء لم يكتفوا بالكذب على الوطن، بل جعلوه جسرا يعبرون عليه إلى مصالحهم الدنيئة، ناسين أن الجسور الملطخة بالخيانة تنهار على رؤوس من يعبرونها، عاجلا ليس اجل.
سولت لهم أنفسهم، حين لم يكن الوطن يوما سوى الأم الحنون، تلك التي وسعت الجميع بحنانها، حتى من عقوها وجحدوا فضلها، لكنه اليوم، يقف مذهولًا أمام أبنائه، يرى بعضهم يلقي به في مهب الريح، يساوم على أمنه كما يساوم اللص على متاع مسروق، يطعنون تاريخه بألسنة مسمومة، ويهتكون ستره باسم الحرية، فيما الحرية منهم براء.
عاد وأكد جلالته أن هذه الأفعال لا تمثل القيم الأردنية الأصيلة، وأنها تشكل تهديدا لأمن واستقرار المملكة، وأشار إلى أن الخيانة ليست مجرد انتهاك للقانون، بل هي طعنة في ظهر كل مواطن شريف يعمل من أجل رفعة وازدهار الأردن، مشددا على أهمية الوحدة الوطنية والوقوف صفا واحدا في وجه كل من يحاول النيل من أمن الوطن واستقراره، ودعا إلى تعزيز قيم الولاء والانتماء، والتصدي بكل حزم لكل من تسول له نفسه المساس بأمن الأردن وسيادته.
في زمن تباع فيه الولاءات وتشترى، هناك رجال لا يأخذون أوامرهم إلا من وطنهم، ولا ينحنون إلا للراية التي قاتلوا من أجلها، وحين قال جلالته إن هناك من يتلقون أوامرهم من الخارج، كان ذلك تعرية لمن ارتضوا أن يكونوا أدوات في أيدي الآخرين، لكنها فئة ضئيلة قليلة، ضلت طريقها قبل أن تضل طريق الوطن، ففي هذا الوطن، هناك رجال لا ينامون إذا اهتز جدار، ولا يسكتون إذا ارتفع صوت النشاز بيننا، ولا يسمحون أن يدنس ثراه بمن باعوا أنفسهم للرياح المسمومة، سيدي، نحن أبناء هذه الأرض التي لا تنبت إلا الشرفاء، وأما الأشواك التي نمت بيننا، كما يجتث المرض من الجسد، وكما يرمى الغريب عن العرين.
الأردن، بقيادته الحكيمة، و ولي عهده الأمين، وشعبه الحر الأبي، لن يكون ساحة للخونة ولا مرتعا للمتآمرين، فمن باع ضميره للوهم، سيجد نفسه وحيدا في مزبلة التاريخ، ومن استبدل ولاءه بثمن زائل، لن يكون له مكان في قلوب الأردنيين، أما الوطن، فسيبقى رغم كل الطعنات، عصيا على الانكسار، شامخا كجباله، طاهرا كترابه، عزيزا بقائده، فخورا بولي عهده، قويا بشرفاء أبنائه، وأما الخونة، فليس لهم إلا الخزي والعار، يذكرون كما تذكر الندوب في وجه التاريخ، كوصمة عار على أنفسهم.
فالوطن أقوى والهاشميين اوعى…
الأردن ليس أرضا تباع ولا كرامة تشترى، سيبقى هذا البلد صامدا رغم كل العواصف، وسيبقى شريفه يرفع الرأس عاليا، بينما الخائن يمضي منحنيا تحت ثقل العار، فلا مكان بيننا لمن باع، ولا عفو لمن طعن، ولا ذاكرة تحفظ اسم من خذل؛ الوطن غفور، لكن الخيانة خطيئة لا تمحى، ولعنة تطارد صاحبها حتى الرمق الأخير.
ابشر سيدي…قالها الرفيق و نرددها خلفه … فنحن سيفك ودرعك، ونحن السور الذي لا يخترق، ونحن الأرض التي لا تخون من حملها يوما على كتفيه…
نحن حماة هذا البيت الكبير، ولن نسمح للغربان أن تنعق فوق أسواره، ولا للخفافيش أن تحتمي بظلمته، ولا للوجوه المتلونة أن تتحدث باسمه، الخيانة ليست في قاموس الأردنيين الاحرار، ومن ظن أن هذه الأرض تشترى، فهو لا يعرف معاني الكبرياء المزروعة في دمائنا، ولا يعلم أن هذا الوطن لا يباع حتى لو جاع أهله، ولا يُرهن حتى لو ضاقت بهم الدنيا.
ابشر سيدنا .. فنحن الصخرة التي تتحطم عليها المؤامرات، ونحن السد الذي ترتد عنه أمواج الفتن، ونحن اليد التي تضرب قبل أن يصل الخنجر إلى قلب الوطن، لن يكون للأقزام بيننا مكان، ولن نسمح للوجوه المتلونة أن تندس بين الشرفاء.
الأردن عزيز بعزة الهاشميين ، قوي بثباتهم، راسخا بحكمتهم، وكلنا خلفكم صفا واحدا، فإما أن نعيش بكرامة فوق هذه الأرض، وإما أن ندفن تحتها كما دفن أجدادنا، لكن أن نتركها للخونة؟ فهذا محال، بل هو المستحيل بعينه.
ابشروا… فبين يديكم شعب يرى فيكم الراية، ويحمل معكم السيف، ويمضي خلفكم حيث يمضي الوطن؛ رفاق السلاح… صوت الرعد حين يهمس الجبناء، ويد العزم حين ترتعش الأيدي المرتجفة، وسيف الوطن حين يحاول الطعن من لا خلاق له، أنتم الذين حملتم الأردن على أكتافكم، كنتم السور الذي تصدّع أمامه كل زلزال، والدرع الذي تكسر عنده كل خنجر مسموم، في وجه العواصف، كنتم الجبل الذي لا ينحني، وفي قلب الفتن، كنتم السيف الذي لا يصدأ.
هذا الوطن الذي سقته عزيمتكم، لن يكون مسرحا للخونة، ولن يسمح أن تهتز أركانه بمن باعوا أنفسهم للضباب الأسود، فكما كنتم في ساحات القتال، جنودا لا يساومون، أنتم اليوم في هذا الصراع الوطني قلعة صامدة، تبنون وتحمون، وتحملون راية الأردن عاليا، لتبقى في السماء لا تمسها يد مدسوس ولا عميل.
الأردن صنع بالدم والعرق، بنيتموه حجرا فوق حجر، وحرستموه سطرا في صفحات المجد، فكيف يمكن لمن زرعوا الأمان أن يسمحوا لخفافيش الظلام أن تعبث به؟ أنتم الرهان الذي لا يخسر، والسند الذي لا ينكسر، وكل إنجاز صنعه هذا الوطن، كان وراءه رجال منكم، حملوا البندقية يوما، ويحملون اليوم لواء الدفاع عن الأردن في وجه كل عابث ومتآمر.
رفاق السلاح، أنتم الشرف في زمنٍ يحاول فيه الخونة تشويه المعاني، أنتم الصورة التي يحفظها الأردنيون كلما التفتوا إلى الماضي المشرق، وكلما تطلعوا إلى المستقبل المحصن بعزيمتكم؛ الأردن لا يخذل بوجودكم، ولا ينكسر وعزيمتكم تحرسه، فأنتم الحصن، وأنتم الدرع، وأنتم أبناء هذه الأرض الذين لا يساومون، ولا يقهرون، سنبقى ما بقيتم، وسيبقى الأردن ما دمتم فيه سورا وسيفا وراية لا تسقط.
عكس هذا اللقاء التزام القيادة الأردنية بمواقفها الثابتة تجاه القضايا الوطنية والإقليمية، ويبرز الدور المحوري للمتقاعدين العسكريين في الحفاظ على أمن واستقرار المملكة، ففي السياسة ليست خطبا تلقى في قاعاتِ المؤتمرات، ولا تصريحات تسجل في نشرات الأخبار، بل هي ذلك الفارق الدقيق بين من يكتب التاريخ ومن يكتب عنه كحاشيةٍ في صفحاته، وعندما يتحدث جلالة الملك عبدالله الثاني، فإن حديثهُ ليس صحيفة دبلوماسية، بل خارطة طريق ترسم بثبات الموقف، وحروف تنحت مسارا لا يتغير بتقلبِ المصالح الدولية.