هندسة الذعر في الاردن
*م.مجدي القبالين*
خلينا نتجرد شوي من الانفعال الآني، ونقف على شرفة التحليل لنقرأ مشهداً تكرر، ويبدو أنه سيتكرر، في فضائنا العام في الاردن. ما الذي حدث فعلياً في قضية الفيديو الأخير المتعلق بالاحتفال بيوم العَلم؟ وهل كانت هناك مسارات بديلة تجنبنا هذا المنزلق المجتمعي الحاد؟ وكيف تشكلت استجابات مثلث الأزمة ........ المجتمع، الإعلام، والدولة؟
بدون إطالة؛ سيدة أردنية تنشر مقطعاً مرئياً يحمل محتوى وُصف بأنه مسيء لمناسبة وطنية، عبر حساب متواضع لا يتجاوز متابعوه الألفي شخص. في الحالة الطبيعية، هيك حدث المفروض ما يتعدى كونه "ضجيج هامشي" في قاع شبكات التواصل، لكن الي صار بعد ذلك كان تطبيق حرفي لما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ "متلازمة الدومينو"؛ لما تتهاوى أحجار الاستقرار المجتمعي حجراً تلو الآخر، والسبب الحقيقي مش الحجر الأول، وانما اليد الي دفعت الحجر الاول !
الإعلام.. وصناعة "الذعر الأخلاقي"
الخطيئة الكبرى في هاي الحادثة ما بلشت من السيدة، بل من وكالة إعلامية التقطت هذا المقطع وقررت تفعيل ما يُسمى بـ "اقتصاد الانتباه" (Attention Economy). بكل بساطة هاي الوكالة استعملت عنوان "خطير جداً" لمحتوى "تافه جداً"، ومارست "تضخيم الهوامش". نتج عن هذا الأداء الإعلامي حالة تسمى بالعلم "الذعر الأخلاقي" (Moral Panic)؛ فتحولت هفوة معزولة إلى لقضية رأي عام.
الإعلام هنا تخلى عن دوره كـ "حارس للبوابة" يفلتر ما يستحق النشر، وتحول إلى نافخ في كير الإثارة بشكل ( غير مهني )
لم يقتصر العبث على التجاوز الإعلامي، بل سارعت للدخول على الخط فئة نطلق عليها—مع التحفظ الشديد—لقب "المؤثرين". أصحاب الصفحات المليونية وجدوا في الحادثة فرصة لركوب الموجة، ومارسوا بانتهازية ما يُعرف بـ "تسليع الغضب" (Commodification of Anger). يعني استثمروا الموقف لاجتذاب الانتباه والتجارة بمشاعر الجماهير لحصد الإعجابات، غير آبهين بحجم الدمار الاجتماعي الذي يخلفونه.
القصاص الرقمي.. ومحاكم التفتيش الهوياتية !
بمجرد أن اشتعلت الشرارة، غرق الفضاء الرقمي في حالة من "العدالة الغوغائية" (Mob Justice). لكن الأخطر والأكثر إيلاماً هو طفو "الاستقطاب الهوياتي الكامن" على السطح ........ انحدر النقاش فجأة من نقد سلوك فردي إلى تبادل اتهامات وتحقيقات عبثية حول أصول السيدة !!! هل هي من عشيرة أردنية أم من أصول فلسطينية؟
أن يتحول فيديو عابر إلى منصة للتراشق العنصري وتصنيف المواطنين هو جرس إنذار مرعب للعلم، ويكشف كيف يمكن لحدث تافه أن يخدش قشرة التماسك الاجتماعي ويظهر تشوهات خطيرة.
وما يثير العجب أكثر في خضم هذا التشظي، هو البيان الذي صدر عن عشيرة السيدة ..... من منظور سوسيولوجي، مارست العشيرة هنا آلية "الدفاع عن الكيان الجمعي" في مواجهة ما يعتبر وصمة العار الفردية. ولكن الثمن كان فادحاً .... تم الإعلان عن الحالة النفسية للسيدة كنوع من التبرير. هذا البيان شكل انتهاكاً جسيماً للحقوق الفردية والخصوصية الطبية. لا يوجد مبرر لانتهاك حرمة إنسان وتجريده من خصوصيته المرضية وتقديمها كقربان لتهدئة رأي عام هائج !!!
أمام هذه الكرة الثلجية المتدحرجة، تدخلت الجهات الرسمية لضبط المشهد. وهنا يجب التوضيح .... مع ايماني المطلق وتقديري التام لحق الدولة في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضمن مظلة القانون، إلا أنه في مثل هذه المواقف الحساسة، يُفترض بمؤسسات الدولة أن تمتلك "الوعي الاستيعابي" (Absorptive Capacity) الذي يمنعها من الانجراف وراء انفعالات الشارع الموجهة أو الاستجابة لضغوطات "الترند".
كان يُؤمل أن تُدار الأزمة بذكاء وحكمة أكبر تمتص الصدمة بدلاً من مجاراتها؛ لأن تراكم هذا النوع من المعالجات في قضايا مشابهة هو ما يغذي الانقسام المجتمعي بصمت، ويجعل من الأحداث العابرة أزمات بنيوية ترهق كاهل الدولة والمجتمع !
إذاً، ما هو المسار الذي كان يجب أن يُتخذ؟
الإجابة تكمن في فضيلة "التجاهل الاستراتيجي" (Strategic Ignorance). ببساطة الجهل والتفاهة لا ينموان إلا في بيئة تمنحهما الاهتمام. إطفاء الشاشات في وجه الباحثين عن الانتباه هو أقسى عقاب لهم، وأكبر حماية للمجتمع !