في مِحراب السيادة.. الحسين يكتُب "دستور الميدان" بوهج الرؤية الهاشمية
د. دانا خليل الشلول
تتجاوز زيارة سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، إلى وزارة الداخلية الأطر البروتوكولية المعتادة، لتستقر في جوهر الممارسة السياسيّة والإداريّة للدولة الأردنية في مطلع مئويتها الثانية؛ فهذه الخطوة الميدانية تمثل إعلاناً صريحاً عن "عقد إداري جديد" يربط بين صلابة المؤسسة الأمنيّة وبين مرونة التحول الرقمي والحوكمة الميدانية، مؤكداً أنَّ "وزارة الداخليّة" هي حجر الزاوية في صيانة الجبهة الداخلية وتعزيز ثقة المواطن بمؤسساته.
فيما حملت توجيهات سموه للقيادات الأمنيّة والحكام الإداريين أبعاداً فلسفية في إدارة الدولة؛ إذ لم يعد الأمن محصوراً في مفهومه الكلاسيكي، بل امتد ليشمل "الأمن الخدمي والمعيشي"؛ هذا الربط الذكي يظهر جليّاً في إصرار سموه على أنَّ استدامة الخدمات الأساسية وتدفقها للمواطن هي جزءٌ لا يتجزأ من منظومة السلم المجتمعي؛ حيث إنَّها رؤية ترى في رضا المواطن عن جودة الخدمة العامة رافداً أساسياً للاستقرار الوطني، وهو ما يتطلب تنسيقاً مؤسسياً عابراً للوزارات، يقوده الحكام الإداريون بروح "القيادة بالنتائج" واللامركزية الفاعلة التي تمنحهم صلاحيّة الاستجابة الفورية للأزمات بعيداً عن تعقيدات المركزية الساكنة.
وفي ملف السيادة والقانون، جاء استذكار سموه لشهداء مكافحة المخدرات ليضع حداً فاصلاً لكل من يعبث بأمن المجتمع؛ فدماء هؤلاء الأبطال هي الضمانة التي تُبنى عليها بيئة استثمارية واجتماعية آمنة. كما أنَّ ولي العهد، برؤيته الشابة، يؤمن بأنَّ حماية الشباب من الآفات المجتمعية هي الخط الدفاعي الأول عن مستقبل الأردن، وهي مهمة تتطلب يقظة أمنية توازيها نهضة تربوية شاملة، بالإضافة إلى أنَّ تمتين الجبهة الداخلية بهذا الشكل هو الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأردن في الحفاظ على دوره الإقليمي المحوري ومواقفه السيادية، فالدولة القوية من الداخل هي الأقدر دائماً على مجابهة الضغوط والتحديات الخارجية بثبات.
وعلى صعيد تطوير الأداء، برز اهتمام سموه بالرقمنة ليس كأداة تقنيّة فحسب، بل كرافعة للنزاهة والشفافية؛ فأتمتة الخدمات في وزارة الداخلية هي الضمانة الحقيقية لمحاربة الواسطة وتكريس العدالة في تقديم الخدمة لكل مواطن دون تمييز. أما الرسالة الأبرز، فهي "ثورة الميدان" التي أعلنها سموه بتوجيهه للحكام الإداريين بضرورة مغادرة المكاتب والاشتباك المباشر مع نبض الشارع في القرى والبوادي؛ حيث إنَّ "أنسنة" الإدارة العامة وتحويلها إلى أداة طوارئ ذكية هو المعيار الجديد للكفاءة القيادية، ليبقى الأردن نموذجاً للدولة القوية بمؤسساتها، والمنيعة بوعي أبنائها وتلاحمهم خلف قيادتهم الهاشمية الحكيمة.