الأردن بين هندسة التوازن ومنطق العواصف
الدكتور صفوان المبيضين
ليست الحروب الكبرى، في تقديري، مجرد اشتباك بين أطراف متقابلة، بل هي لحظات كاشفة تعيد تعريف الدول، وتختبر عمقها الاستراتيجي، وقدرتها على البقاء خارج منطق الاندفاع. وما يجري اليوم من تصعيد بين إيران وإسرائيل، ضمن سياق تحكمه حسابات الولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن قراءته بوصفه صراعًا عابرًا، بل باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل بنيوي لموازين القوة في الإقليم.
في هذا السياق، لا أرى الأردن مجرد مراقب حذر، بل فاعلًا صامتًا يُدير موقعه ضمن معادلة معقّدة، حيث لا تُقاس القرارات بحدّتها، بل بقدرتها على تجنيب الدولة كلفة الانخراط في صراعات مفتوحة، تتجاوز حدود السيطرة، وتُعيد إنتاج الفوضى بأشكال أكثر تعقيدًا.
إن ما يميّز المقاربة الأردنية، ليس فقط امتناعها عن التورط، بل قدرتها على إعادة تعريف "الدور” خارج ثنائية الانحياز أو الحياد التقليدي. فالأردن لا ينكفئ، ولا يندفع، بل يُمارس ما يمكن تسميته بـ”هندسة التوازن"، حيث تُدار المواقف وفق معادلة دقيقة: حماية الداخل، الحفاظ على الاستقرار، والانخراط العقلاني في الجهد الدولي لاحتواء التصعيد.
هذا النمط من التفكير لا يُنتج مواقف صاخبة، لكنه يُنتج دولة قادرة على البقاء، في إقليم غالبًا ما يُكافئ الاندفاع ويعاقب التعقّل. وهنا تتجلّى، برأيي، قيمة الخبرة السياسية المتراكمة، التي تجعل من القرار الأردني فعلًا محسوبًا، لا استجابة آنية.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدارة الخارج، بل في تحصين الداخل. فالحروب الحديثة لا تُخاض فقط بالسلاح، بل بالرواية، وبالقدرة على تفكيك المجتمعات من داخلها. ومن هنا، فإن أخطر ما قد يواجهه أي بلد في مثل هذه اللحظات، ليس الضغط الخارجي، بل تآكل الثقة الداخلية، وفتح المجال أمام قراءات متسرعة، أو اصطفافات انفعالية.
إن الالتفاف حول القيادة الهاشمية، في هذا السياق، لا أراه خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية. فالدولة التي تواجه محيطًا مضطربًا، تحتاج إلى مركز قرار مستقر، وإلى وعي جمعي يدرك أن وحدة الصف ليست ترفًا، بل شرط بقاء.
لقد أثبتت التجربة الأردنية، عبر عقود، أن الاستقرار ليس معطى ثابتًا، بل إنجاز يُدار يوميًا، وأن التوازن ليس حالة سكون، بل عملية مستمرة من إعادة الضبط، في ضوء متغيرات لا تتوقف.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح، يبقى الرهان الحقيقي، كما أراه، على الدول التي تُحسن قراءة اللحظة دون أن تفقد امتدادها التاريخي، وتُدير أزماتها دون أن تتحول إلى جزء منها.
الأردن، في هذه اللحظة، لا يبحث عن دور بطولي في صراع لا يخصه، بل يُمارس دورًا أكثر تعقيدًا: أن يبقى دولة مستقرة، في زمن ينهار فيه تعريف الاستقرار ذاته.
وهنا، تحديدًا، لا تُختبر قوة الدول في صخب مواقفها، بل في صلابة تماسكها…
ولا يُكتب لها البقاء لأنها تجنبت العواصف، بل لأنها عرفت كيف تمرّ من خلالها دون ان تفقد نفسها .