الأردن مرتاح للحضور الروسي حتى يمنع نتنياهو من «الاستفراد»
جفرا نيوز - بسام البدارين
يمكن ببساطة تلمس «ارتياح» النخب السياسية الأردنية للدخول الروسي القوي على جميع خطوط المشهد السوري، حتى بالرغم من استبعاد عمان عن طاولة لقاءات بغداد التنسيقية التي جمعت العراق والنظام السوري وإيران وموسكو تحت الشعار المفضل للخطاب العالمي اليوم وهو «مواجهة تنظيم الدولة ـ داعش».
التصدي لإرهاب «تنظيم الدولة» أصبح في تقدير المؤسسة الأردنية موجة تركبها جميع الأجندات الدولية والإقليمية، وعمان تجتهد وهي تزاحم لتركب الموجة نفسها بدورها من دون نتائج حاسمة وإن كان التصدي لـ «تنظيم الدولة» التي أريد لها ان تقترب من نقطة حرجة في تدمر والسويداء قرب صحراء الأردن الشرقية من المشهيات والمغريات السياسية بالنسبة لحلقة التعاون الأردني والتفاعل مع الروس، خصوصا بعد زيارة العاهل الملك عبدالله الثاني الأخيرة والناجحة لموسكو.
سياسيا ترى حلقات نشيطة ذهنيا في بعض المؤسسات الأردنية أن الوجود الروسي العسكري في المنطقة مفيد جدا في الجانب الاستراتيجي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتقويض نظرية «الفراغ الأمريكي» التي تخشاها دول الخليج. أو عندما يتعلق الأمر بالتخفيف من غلواء إسرائيل وتطرفها وشرورها على عملية السلام التي يؤسس الأردنيون استراتيجيتهم المركزية على جوهرها.
مؤخرا تفاعل النقاش في عمان وعلى عدة مستويات في محاولة محمومة لترسيم المصالح واتجاهات البوصلة على حدود الدور الجديد لروسيا في الإقليم انطلاقا من لقاءات بغداد وما بعد الاتفاق النووي الإيراني والحضور العسكري على الأرض للجانب الروسي.
السياسي المخضرم طاهر المصري كان قد توقع أمام «القدس العربي» وعدة مرات أن يعيد الاتفاق النووي الأمريكي الإيراني شكل الاصطفافات والتحالفات في المنطقة ووجود حلقات استراتيجية فاعلة من التلاقي بين موسكو وطهران برأي المؤسسة الأردنية يعني تلقائيا بأن إسرائيل لا يمكنها، أو قد لا يمكنها، بعد الآن «الاستفراد» بالقضية الفلسطينية وفرض أجندتها على النظام الرسمي المعتدل الهش، وتلك برأي خبراء حلقة أساسية في تعويض الفاقد تنتج عن الحضور الروسي في قضايا المنطقة المعقدة.
وهو حضور بكل الأحوال تثق المؤسسة الأردنية بأنه لم يكن من الممكن أن ينتج أو يبرز من دون «تفاهمات» انتهت بتفويض وتوكيل أمريكي لموسكو بالشأن السوري، ليس على أساس ان الولايات المتحدة تنسحب من المنطقة عسكريا، على أساس التراجع أو الهزيمة، ولكن على أساس ان القيمة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط تضعف بالنسبة للأمريكيين عموما وتتزايد بالنسبة للروس والأوروبيين، بسبب تقاسم حوض المتوسط والعامل الجغرافي كما يشرح المصري.
الإدارة الأمريكية لها أولوياتها، وفي مواقع مغلقة من المستويات العميقة في عمان والرياض وأبوظبي يتبادل القوم سيناريوهات متعددة بعنوان تداعيات التراجع النفطي وأولويات الإدارة الأمريكية مع الصين وآسيا، خصوصا انها بصدد التحول عام 2017 لأكبر منتج للنفط في العالم.
رغم ملاحظات المؤسسة الأردنية حول سعي بنيامين نتنياهو لمقايضة الاتفاق النووي الإيراني بتكريس الاحتلال والسيطرة على المسجد الأقصى ووقف المفاوضات، إلا أن القناعة راسخة على الأقل وسط بعض نخبة عمان بأن نتنياهو معزول ولا مستقبل لحكومته وسيسعى في المرحلة اللاحقة للعبث في المعادلة السورية وتفجير الأوضاع.
الرأي في هذا السياق يرجح ان نتنياهو يسعى مرحليا للرد على المعادلات الروسية الجديدة في المنطقة وسوريا، بافتعال حرب أو أزمة مع سوريا أو لبنان وبتفجير ملف المسجد الأقصى، على أساس انه الخاسر الأكبر من الحضور الروسي العسكري والسياسي في ملفات المنطقة.
وسيسعى للتعويض لأن المجتمع الدولي بدأ يفرق بين إسرائيل نفسها ونتنياهو بنفس المسطرة التي يرى فيها نتنياهو و»تنظيم الدولة» ونظام بشار الأسد وآلية الإدارة في دول الخليج من محفزات الإشكال والصدام في المنطقة ومن منتجي الإشكالات التي يأست منها أوروبا وبدأت تتأزم بسببها بدليل هجمة اللاجئين الأخيرة.
الخلافات في السياق وصلت لتبادل الاتهامات بعد نقاشات أزمة اللاجئين وزحفهم مؤخرا لأوروبا بين الدول الأوروبية وبين الإدارة الأمريكية التي لا تعاني من مسألة اللاجئين، والتي تتعرض الآن للضغط من قبل الاتحاد الأوروبي بعدما انسحبت من العراق عسكريا تاركة خلفها كل الإشكالات الحالية.
باختصار، وبعيدا عن غالبية الاعتبارات السياسية في المسألة الإقليمية، يمكن القول باسترخاء أن الرأي القائل بوجود مكاسب وفوائد وعوائد استراتيجية من الوجود الروسي العسكري في روسيا ينمو ويزداد مناصروه ومعتمدوه داخل الإدارة الأردنية هذه الأيام.
وعلى أساس النظرية التي تقول بأن التأثير الاستراتيجي لإسرائيل يتقلص ليس فقط لإنها لا تستطيع خوض حرب والانتصار فيها من دون كلف فقط، ولا لأن إيران خصمها اللدود مستحكم بقوة إقليميا وقريب من الروس بعد إنجاز اتفاق تاريخي مع الأمريكيين.
ولكن الأهم لإن أهمية إسرائيل الاستراتيجية في اللعبة الإقليمية والدولية تتعاكس طرديا مع انخفاض أهمية النفط وتراجع أسعاره ومستقبل مشاريع الطاقة البديلة، ولاحقا كما هو متوقع تراجع تأثيره في عوامل جذب الأمريكيين والدول الصناعية الكبرى للمنطقة.