الاردن : مساحة إعلامية ضد إسرائيل والشارع يتحرك
الأحد-2014-08-03 06:34 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز - المسافة الدبلوماسية الواضحة التي يتركها اللاعب السياسي الأردني مع الأطراف المناهضة للأخوان المسلمين وحركة حماس عند التعاطي مع الإيقاعات المستجدة للعدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة لها ما يبررها محليا وسياسيا على الأقل بالنسبة للحكومة الأردنية وهي تستمع لهتافات الشارع المطالبة بطرد السفير الإسرائيلي.
بوضوح شديد لا تتورط المؤسسة السياسية الأردنية في المشاركة في حفل النظام العربي المعتدل المتحلق حول المبادرة المصرية والمعاكس في واقعه لإتجاهات المقاومة الفلسطينية على الأرض.
وبوضوح أشد في المقابل لا تتورط المؤسسة نفسها في دعم المقاومة خلف وأمام الستارة سياسيا ولا تقدم شيئا ملموسا يمكنه التقاطع مع المحور التركي- القطري وتكتفي بإدارة سلسلة تصريحات عامة حول وقف العدوان على لسان وزير الخارجية ناصر جودة سرعان ما تذوب حتى يظهر ان الأردن هذه المرة وخلافا لكل الفعاليات المتعلقة بالقضية الفلسطينية «ليس طرفا» ولا يريد في الواقع أن يكون طرفا في الإشتباك الإستقطابي الإقليمي المنبثق من ما يحصل في غزة.
هنا حصريا يقبل الأردنيون كلفة «الغياب» عن الطاولة والظهور في فضاءات إجتماعات وتنسيقيات «التهدئة ووقف النار» بعدما تقرر أنها كلفة أقل قياسا بالتورط في تفاصيل المسألة حيث لا تسأل الدول المتحورة في السياق عمان عن مواقف متطورة أو متشددة لصالحها.
تجازف عمان بهذا المعنى بحصتها «الطبيعية» من الحضور السياسي في التفاصيل لإن موقفها التكتيكي في الأساس ينطلق من إعتبارات تتميز بها قياسا عن بقية العواصم المحلية.
وهي الإعتبارات الأمنية والإجتماعية الخالصة حيث يوجد نحو180 ألف مواطن فلسطيني يعيشون في الأردن وينتمون لعائلات قطاع غزة وحيث تحتضن عمان نفسها 13 مخيما للاجئين الفلسطينيين تضم الكتلة الأكبر منهم في العالم في الوقت الذي يعتبر فيه نصف سكان المملكة تقريبا من الأردنيين الفلسطينيين.
الأهم ان ورقة «الأخوان المسلمين» لها دور مباشر وأساسي أيضا في تفعيل تلك المساحة الفاصلة بين المحور العربي المعاند لحركة حماس في السعودية ومصر والإمارات وبين الأردنيين حيث ما زال تنظيم الأخوان ناشطا وفعالا في وسط الجمهور الأردني وتطوير أي موقف «عدائي»علني رسميا ضد المقاومة سيعني الإشتباك مع التفصيلات في الساحة المحلية.
عمليا ما يهتم به الأردن هو العمل بنشاط ليس على صعيد وقف العدوان الإسرائيلي بسبب كلفته الكبيرة على «عملية السلام» فقط بل وإنما إدارة موقف سياسي يحتوي الشارع المحلي ويوازن بين المصالح ولا يضطر عمان لمجازفات سياسية كبرى لا ضد إسرائيل ولا ضد المقاومة ولا ضد المحاور الإقليمية. على هذا الأساس نضجت تفاصيل الإدارة الأردنية لإيقاعات التفاعل السياسي والشعبي مع أحداث غزة فكانت جهود «الإغاثة» دربا مناسبا لمخاطبة الشارع بعيدا عن لغة التصعيد الأساسية ضد الإسرائيليين وحتى تطول حياة النظرية التي تقول بأن»علاقات دبلوماسية» مع إسرائيل في مثل هذه اللحظات الحرجة هي التي «تنفع» في إيصال المساعدات للشعب الفلسطيني عبر رافعة المستشفى الميداني العسكري الأردني الذي يقوم بجهد كبير جدا في القطاع.
رئيس الوزراء الدكتورعبدالله النسور ألمح لذلك في إجتماع رسمي حضره الملك عبدالله الثاني عندما شدد على أن الأردن هو الطرف العربي الوحيد الذي يوصل كميات كبيرة من مشاريع الإغاثة للقطاع المتعرض للعدوان وهي إشارة تقصد مجددا لفت النظر إلى أن ما يمكن عمان من المساعدة الفعلية على الأرض ولوجستيا هو العلاقات الدبلوماسية مع الإسرائيليين.
وقد يكون ذلك منطقيا إلى حد بعيد لإن المساعدات الأردنية أو تلك العربية عبر الأردن تعبر عبر معبر إيريز وليس رفح وبواسطة إتصالات رسمية مع الجانب الإسرائيلي.
وما يثبت أن الأردن يعمل على «تسييس» جهود الإغاثة ويعتبرها محورا في مخاطبة الحدث وتعقيداته هو الدور المتنامي للهيئة الهاشمية للأغاثة التي نشطت مؤخرا على نطاق واسع في نقل المساعدات إلى قطاع غزة حيث قاد ولي العهد الأمير حسين بن عبدلله حملة واسعة النطاق بهذا الخصوص وبصورة تقلص مساحات «المزاودة» الشعبية على الحكومة ما دامت ليست المسؤولة عن إخفاق النظام العربي الرسمي.
بالمقابل وفي إطار التفاعل الرسمي مع الجو الشعبي العام المشحون سمحت السلطات بتنظيم مئات المسيرات والإعتصامات المساندة لقطاع غزة والمنددة بإسرائيل لكنها منعت وبدون تسهيلات الإقتراب من مقر السفارة الإسرائيلية في ضاحية الرابية الراقية غرب العاصمة.
بدا لافتا جدا في السياق أن البؤر الجغرافية والعشائرية الأردنية وبعيدا عن مدن الكثافة السكانية التي تقطنها أغلبية من أردنيي الأصل الفلسطيني كانت متقدمة في تنظيم تظاهرات وفعاليات مؤيدة للمقاومة في فلسطين ومعارضة لإسرائيل حيث نظمت عشرات النشاطات ضد العدوان وضد التطبيع وضد الموقف الرسمي في مدن معان والكرك وإربد والسلط.
الإشارة واضحة هنا إلى ان المقاومة تتميز اليوم برصيد كبير ومتسع على طول المراكز والأطراف في المجتمع الأردني وهي مسألة تنطوي على مجازفة متعلقة بزيادة حصة حركة حماس في وجدان الشارع الأردني ضمن نطاق الكلف السياسية التي تضطر السلطات لقبولها ما دامت إسرائيل قد ورطت كل النظام العربي بالحرب الأخيرة.
الإيقاع المناصر وبحماس للمقاومة لا يمكن إنكاره في الشارع الأردني خصوصا في بؤر الحراك التقليدية مثل الطفيلة وذيبان وحي الطفايلة في العاصمة وقابله نشاط متزايد في المخيمات يطالب بالسماح بفتح الحدود لتحقيق العودة الإجبارية مما شكل مشهدا متطورا في الحالة الشعبية تقلصت فيه كل التعبيرات والهويات الفرعية في واحدة من تداعيات الحرب الإسرائيلية على المجتمع الأردني.
وضمن نفس الإيقاعات فرد تلفزيون الحكومة وعلى طريقة محطة الجزيرة مساحة يومية من التغطية المفصلة للحرب على غزة وبدا واضحا أن إدارة التلفزيون ولأول مرة وبصورة نادرة تسمح بإستضافة معلقين يؤيدون علنا المقاومة ويشيدون بحركة حماس ويهاجمون إسرائيل بقسوة وهو ما لم يكن يحصل في الماضي لكنه يحصل الآن من باب تقدير ولاحقا «تفريغ» إحتقانات الشارع الأردني دون ان تطالب المؤسسة الرسمية بمواقف علنية تربك تحالفاتها الإقليمية أو علاقاتها مع الإسرائيليين. القدس العربي