المصالحة الوطنية العراقية تستدعي تفكيك العملية السياسية
الأحد-2014-02-09 10:08 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز- رسم سياسيون عراقيون صورة قاتمة لمستقبل العراق السياسي، إذا ما استمرت العملية السياسية الحالية التي تستكمل مشروع الاحتلال الأميركي في تدمير الدولة والمجتمع وإعادة إنتاج الصراع.
ولأن الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003 أحدث تغيّيرات بنيويّة عميقة في الدولة والمجتمع، اللذين عادا إلى طور ما قبل ظهورهما، يرى الدكتور فاضل الربيعي، أن "المخرج الوحيد هو صياغة توافق وطني على تفكيك العملية السياسية الراهنة وتشكيل مجلس تأسيسي يضم كل الأطراف داخل وخارج العراق، بما في ذلك جماعات العنف".
وأضاف أن التوافق يجب أن يفضي إلى "تكليف لجنة قانونية تعد مسودة دستور جديد يؤسس لشراكة وطنية جديدة، تنبذ المحاصصة وتحافظ على مبدأ المواطنة".
أمّا المحلل السياسي فلاح المشعل، فأوضح أن عراق ما بعد الاحتلال الأميركي" شُكِّل على أسس افتراضية غير واقعية وفق النموذج الأميركي الراديكالي المعتنق للعنف والمعزز لعوامل تغذية الإرهاب والجريمة، مما يرسخ حالة النفور الشعبي السائدة وتعزيز الكراهية في المجتمع".
المشعل أضاف أن الغزو الأميركي تبنى سياسة تسويق النظام الديمقراطي وتم طبخ دستور دائم على نحو متعجل جاء مشحونا بالأفخاخ والمشكلات، كما كرس النظام الـ"الديمقراطي " نمطاً جديدا من دكتاتورية طائفية تمثل بمبدأ المحاصصة الطائفية كسمة ملازمة لصراع يكشف في اعماقه عن صراع من أجل السلطة والنفوذ والمال".
اقتصاديا اعتبر المشعل أن "نظام الهيمنة المركزية سقط في كثير من اجراءاته فأُطلقت التجارة على نحو حر بإستثناء بعض القيود التي تقترحها الحياة الأمنية المتزعزعة".
ولاحظ المشعل أن الأزمة تعمقت اقتصاديا بفعل تغييب قوانين تنظيم العمل الاقتصادي والمصرفي وخلق توازنات معقولة مابين التنمية الداخلية والاعتماد على النظام الريعي، حيث تتكفل الحكومة بكل ملتزمات الشعب دون الاعتماد على مؤسسات إنتاجية زراعية وصناعية.
وأضاف أن العراق يعيش تخلفا زراعيا وتعطيلا صناعيا على الرغم من كونه بلدا منتجا للنفط والغاز، ومرد ذلك هو ضعف خبرة الجهاز الإداري وانشغال الفرقاء السياسيين في الصراع "وهم يتشاركون الفساد والفشل في الحكومات المتعاقبة منذ 10 سنوات".
الربيعي يضيف أنه "بعد التصويت الشعبي على الدستور، يجب أن تتجه الأنظار لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة باشراف دولي"، مؤكدا أن المصالحة التاريخية التي ستضع حدّا للعنف تحتاج لأسس أولية تنهي "وتيرة الاحتماء بالهوّيات الفرعية الطائفية والمذهبية والعرقية والجهوية".
ولا يستغرب الربيعي تدحرج الازمة حد الوصول الى "طبعة عراقية من الأزمة السورية تستدعي جنيف عراقيا"، موضحا أن الطور الجديد للأزمة سينتج عن سيطرة جماعات إسلامية متطرفة( داعش العراقية والقاعدة والنقشبندية ) على مناطق غير موصولة جغرافية في شمال شرق بغداد وغرب بغداد، وصولا إلى غرب العراق وشماله ( الموصل وكركوك).
هذا السيناريو سيفضي إلى " ظهور جماعات منافسة إسلامية و(أقل إسلامية) تنخرط في صراع مزدوج ضد السلطة في بغداد وضد داعش وشقيقاتها"، حسب الربيعي، الذي يرى "أن هذا يعني أن الأزمة ستدخل منعطفاً جديداً وتتحول من أزمة داخلية إلى مشكلة إقليمية".
ويتوقع الربيعي كذلك، "دخول العشائر المسلحة كطرف مقرر في الصراع، وتعاظم أشكال الانقسام والاستقطاب في المجتمع العراقي بما يؤدي إلى انهيار العملية السياسية تلقائيا".
مقدمات الحرب الأهلية ووصفتها يتوقع الربيعي أن تشمل "انقسام عميق للعشائر والقبائل نفسها، بين موالاة الحكم في بغداد، والجماعات المتطرفة، وفي مرحلة لاحقة سوف نشهد صداماً إسلاميا- إسلاميا، وعشائريا- عشائريا، اضافة الى صراع شيعي- سني، وشيعي -شيعي (بين الصدريين وعصائب أهل الحق)، وسني- سني بين داعش والنقشبندية، والقاعدة- والحزب الإسلامي
(الأخوان وانصارهم)".
هذه الصراعات يراها الربيعي "انعكاسا للتجاذب الذي ستؤسس له الصراعات المركبّة".
ولفت الربيعي أن تمركز داعش في صحراء الانبار، قد يؤدي الى ظهور وقائع جديدة، منها امتداد الصراع إلى دول الجوار العراقي، بما يخلق مشكلة إقليمية. "وبذا سوف يكتشف العراقيون أنهم مضطرون للذهاب إلى جنيف عراقي لوضع حل مقبول"، لأزمة بلادهم.
وكان الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر اتخذ سلسلة من القرارات التي فككت بُنى الدولة العراقية وشملت حل المؤسسة العسكرية
( الجيش والشرطة واجهزة الأمن- باستثناء جهازي مكافحة الإرهاب والمكتب الخاص بإيران) ما أدّى إلى "تفككّ المادة الصمغية التي أبقت المجتمع العراقي متماسكاً طوال العقود السابقة".
ودفعت قرارات بريمر المجتمع العراقي إلى مواده وعناصره الأولية السابقة على تشكلّه كمجتمع تقليدي، وتسارعت وتيرة الاحتماء بالهوّيات الفرعية الطائفية والمذهبية والعرقية والجهوية.
وفي مثل هذه الأوضاع يرى الربيعي"مألوفا رؤية الأشكال التي سوف تؤدي إلى تبلور قوى ( الدفاع الذاتي) عند كل طائفة وجماعة عرقية ودينية، فنشأت منذ الأيام الأولى للاحتلال، ميليشيات سرية وعلنية زاد عددها عن 70 جماعة (سنية وشيعية، عربية وتركمانية وكردية..).
وأوضح أن "هذه الجماعات، قامت باحتكار مُمنهج لحق تمثيل الطبقات والطوائف والأعراق، وأصبحت مع الوقت كما لو انها هي الطائفة وهي الجماعة القومية، فصار وجود ميليشيا شيعية نوعاً من تعبير عن تمثيل الشيعة، أو أنها هي ( الطائفة). والأمر نفسه ينطبق على الجماعات الأخرى. وهكذا، اصبحت صدامات الميليشيات الشيعية والسنية المسلحة، كما لو أنها صدامات بين الطائفتين، وهذا امر لم يكن صحيحاً ولا واقعياً".
وأكد أن "العنف في العراق منذ الاحتلال هو عنف جماعات مسلحة تزعم تمثيلها للطوائف، وما قامت به حتى اللحظة لم يؤد إلى حرب طائفية".
بكلام أدّق، يضيف الربيعي "أنّ كل ما يجري اليوم هو حرب جماعات مسلحة سنية وشيعية تدعي تمثيلها للطائفتين".
رئيس مركز صقر للدراسات الإستراتيجية الدكتور مهند العزاوي، يعرض لأبرز الأزمات التي تعصف بالعراق، وفي مقدمتها "النفوذ الإقليمي العمودي والأفقي الساعي لتمزيق العراق وجعله دولة مكونات طائفية متصارعة، والتمسك بمنظومة القوانين التي فرضها الاحتلال الاميركي، وأبرزها الدستور واجتثاث البعث وقانون الإرهاب لغرض ابعاد الطبقة الوسطى عن إعادة بناء الدولة، ومحو الذاكرة الوطنية وتغير المعالم الأساسية لكيان العراق وصولا إلى التقسيم".
الباحث والسياسي نزار السامرائي، يعتبر أن الخطوة الأكثر خطورة في تاريخ العراق منذ قيام دولته الحديثة وحتى وقوع الاحتلال، كانت إعلان "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في 3 آب(أغسطس) 2003، والذي كان بمثابة دستور مؤقت، ولكنه في واقع الحال سحب كل ما فيه من سوء وأخطار على العراق العربي الواحد أرضا وشعبا، على الدستور الدائم الذي تم تمريره في استفتاء 15/15/2005 عبر عمليات تزوير دعمتها سلطة المال والاحتلال والفتوى الدينية.
وقال إن هذا القانون شرع لكل ما عانى ويعاني منه العراق الآن ومستقبلا، ولم يشهد العالم نصا لدستور مؤقت، يحدد مسار دستور دائم ويمنع التعارض مع قواعده إلا ما جاء به الاحتلال للعراق.
وأوضح أن "قانون إدارة الدولة جاء مكتوبا باللغة الإنكليزية وتمت ترجمته وإلباسه للعراقيين على مقاسات غيرهم، وعلى المنوال نفسه تم نسج الدستور الدائم والذي بدأ حتى أولئك الذين قالوا انهم كتبوه ، بتوجيه أقوى عبارات النقد له وارتفعت أصواتهم عالية بالمطالبة بتعديله مما أثار تساؤلات مشروعة عن موقعهم حينما كانوا يدافعون عن النصوص والمواد التي يريدون تعديلها الآن ، ولماذا شككوا بدوافع القوى المناهضة للاحتلال حينما وقفت بقوة ضد الدستور وحذرت من مخاطره على وحدة العراق أرضا وشعبا".

